تحاصر أزمة الدواء ملايين الأسر المصرية بين صنف مفقود وسعر يتغير أسرع من الدخول، بعدما أصبح العثور على علاج مزمن رحلة يومية تستنزف الوقت والمال قبل أن تبدأ كلفة العلاج نفسها.

 

وتدفع موجات النقص المتكررة المرضى إلى التنقل بين الصيدليات والمخازن ومنافذ البيع المركزية، بينما تلتهم الزيادات المتلاحقة جزءاً أكبر من المعاشات والرواتب، فيتحول المرض إلى فاتورة مفتوحة بلا سقف.

 

 

النواقص تدفع المرضى إلى الطوابير

 

وفي سبتمبر، تجددت التحذيرات من نقص أصناف حيوية مرتبطة بأمراض الدم والأورام والقلب والعظام والمناعة والهرمونات، إلى جانب أدوية أكثر شيوعاً للجهازين التنفسي والهضمي ونزلات البرد والسعال.

 

ومن جانبه، يقول محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، إن تحريك الأسعار لا يعالج جذور النقص، بينما يظل المريض عالقاً بين صنف غير موجود وبديل أغلى.

 

كما تمتد الأزمة إلى مرضى الأمراض المزمنة الذين لا يملكون رفاهية تأجيل الجرعة، لأن الانقطاع عن علاج الغدة أو الإنسولين أو الضغط لا يعني توفير المال، بل يفتح باباً لمضاعفات صحية أخطر.

 

وعندما يختفي الصنف من الصيدليات القريبة، يتحول البحث نفسه إلى تكلفة إضافية تشمل المواصلات والاتصالات وفقدان ساعات العمل، وقد تنتهي الرحلة بشراء عبوة واحدة لا تكفي المدة المطلوبة.

 

ولهذا لا تبدو قصة متقاعد يبحث عن «إل تروكسين» أو زوجة تحتاج إلى الإنسولين حالة فردية، بل نموذجاً لأسر تدور أسبوعياً بين الصيدليات بحثاً عن علاج كان يفترض توافره بانتظام.

 

وفوق ذلك، يدفع نقص بعض الأصناف المرضى إلى قبول بدائل تحتاج إلى مراجعة الطبيب أو تعديل الجرعات، فتظهر فاتورة جديدة فوق ثمن الدواء نفسه، بينما يبقى الصنف الأصلي غائباً.

 

وفي المقابل، تفقد التسعيرة الرسمية معناها بالنسبة للمريض عندما يكون الدواء غير متاح، لأن السعر المكتوب على العبوة لا يفيده إذا اضطر للبحث عنها خارج مسار التوزيع المعتاد.

 

ومن ثم، تتحول ندرة الدواء إلى سوق قلق لا يعرف فيه المريض متى يجد علاجه ولا كم سيدفع في المرة التالية، بينما تظل الأمراض المزمنة مرتبطة بجرعات لا تنتظر استقرار السوق.

 

وعلى الأرض، تتسع الأزمة داخل المحافظات عندما تتركز بعض الأصناف النادرة في منافذ محددة بالقاهرة، فيتحمل المريض تكلفة سفر وانتظار وربما مبيت للحصول على جزء من احتياجه الشهري.

 

وبذلك يصبح الشح كلفة إضافية غير مدرجة، لأن المريض لا يدفع ثمن العبوة فقط، بل يدفع مقابل المسافة والوقت والبحث والغياب عن العمل وعدم اليقين بشأن الجرعة التالية.

 

 

الأسعار تصعد والقدرة الشرائية تهبط

 

وفي الوقت نفسه، لم يعد ارتفاع الأسعار حدثاً استثنائياً، إذ تراكمت زيادات متتالية خلال العامين الأخيرين على أصناف واسعة، بينما ظل دخل ملايين الأسر يتحرك ببطء أمام نفقات علاج لا يمكن حذفها.

 

ومن جانبه، يقول محمد أنسي الشافعي، نقيب صيادلة الإسكندرية، إن ارتفاع تكاليف الكهرباء والشحن والمحروقات يدفع الشركات إلى تقليص إنتاج الأصناف ضعيفة الربحية أو المطالبة بتحريك أسعارها بصورة متكررة.

 

كما يجد الصيدلي الصغير نفسه محاصراً بين قوائم أسعار تتحرك وتوريدات محدودة، بينما يتلقى غضب المرضى مباشرة رغم أن نقص الكميات أو تغير التسعير يحدث قبل وصول العبوة إلى رفوفه.

 

وعلى الجانب الآخر، تصبح الأسرة مضطرة إلى اقتطاع بند الدواء من الطعام أو التعليم أو المواصلات، خصوصاً عندما يكون البيت فيه أكثر من مريض مزمن يحتاج إلى علاج شهري ثابت.

 

وبينما قد تبدو زيادة عشرات الجنيهات في عبوة واحدة محدودة على الورق، فإن تكرارها عبر خمسة أو ستة أدوية شهرياً يحول الفارق إلى مئات الجنيهات من دخل الأسرة.

 

ومع تراجع القدرة الشرائية، تتغير عادات المرضى نفسها، فيلجأ بعضهم إلى شراء شريط بدلاً من العبوة أو تأجيل صنف أقل إلحاحاً أو تقسيم المشتريات على أيام الراتب.

 

وفوق ذلك، يصبح المريض عرضة لاستغلال السوق الموازية عندما يعجز عن العثور على العلاج، لأن الحاجة العاجلة تضعف قدرته على المفاضلة وتدفعه أحياناً إلى قبول سعر أعلى.

 

وفي هذه الحلقة، لا تؤدي زيادة السعر وحدها إلى ضمان التوافر، فقد عادت أصناف بعد تحريك أسعارها بينما استمرت شكاوى من نقص أصناف أخرى، لتبقى المعادلة قائمة بين الغلاء والشح.

 

ومن ثم، تتحول كل زيادة جديدة إلى عبء مضاعف عندما لا يصاحبها استقرار فعلي في التوريد، لأن الأسرة تدفع أكثر من دون أن تحصل في المقابل على ضمان استمرار العلاج.

 

وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن سوق دواء ضخمة قليل الصلة بحياة المريض اليومية، لأن ما يعنيه ليس حجم المبيعات، بل وجود الصنف المطلوب عندما يمد يده إلى الصيدلية.

 

 

الدولار يحكم فاتورة العلاج اليومية

 

وفي 23 سبتمبر، دخل قرار جديد لتسعير المستحضرات حيز التنظيم، مانحاً سعر الصرف وزناً قدره 60% في معادلة المراجعة، مقابل 30% للتضخم و10% للفائدة البنكية.

 

وبينما لا يفرض القرار زيادة عامة وفورية على كل الأدوية، فإنه يجعل مراجعة الأسعار أكثر التصاقاً بتقلبات الاقتصاد، بما يربط كلفة العلاج مباشرة بمؤشرات لا يتحكم فيها المريض.

 

ومن جانبه، يقول محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، إن بعض شركات التوزيع تمارس سياسات تضغط على الصيدليات، بينها خفض الحدود الائتمانية وإلغاء خصومات على أصناف متعددة.

 

كما تزيد حساسية الصناعة تجاه الدولار بسبب الاعتماد الواسع على المواد الخام والمستلزمات المستوردة، فتنتقل أزمة العملة من البنك والمصنع إلى الصيدلية، ثم تنتهي في فاتورة الأسرة.

 

ومع كل تحرك في تكاليف الاستيراد والطاقة والنقل والتمويل، تعود الشركات للمطالبة بمراجعة الأسعار أو تقليل إنتاج أصناف محدودة الربحية، بينما يبقى المريض الحلقة التي تتحمل النتيجة النهائية.

 

وفوق ذلك، تجعل مراجعة الأسعار كل ستة أشهر احتمال تغير كلفة العلاج جزءاً دائماً من حسابات الأسرة، خصوصاً مع اشتراط وصول التغير المحسوب إلى 10% واستمراره 45 يوماً.

 

وفي المقابل، لا يكفي اتساع التصنيع المحلي لحماية السوق من تقلبات الخارج، طالما بقيت الصناعة معتمدة بدرجة كبيرة على خامات فعالة ومستلزمات إنتاج يتم تدبيرها بالعملة الصعبة.

 

ومن ثم، تبدو مفارقة السوق واضحة: مصانع كثيرة وإنتاج محلي واسع، لكن المريض قد يظل عاجزاً عن إيجاد صنف بسيط أو يضطر لشرائه بعد زيادة جديدة في السعر.

 

وعلى مستوى المستشفيات الحكومية، تضيف مديونيات التوريد وضغوط التمويل طبقة أخرى من الأزمة، لأن تأخر السداد أو اضطراب الشراء ينعكس على المخزون وقوائم الانتظار وتوافر المستحضرات الحيوية.

 

وبذلك تتجمع حلقات الأزمة في نقطة واحدة عند المريض: خامات مستوردة، عملة متقلبة، شركات تطلب أسعاراً أعلى، موزعون يحددون الكميات، وصيدليات تنتظر التوريد، وأسرة تدفع الفاتورة.

 

وفي النهاية، لا يحتاج المريض إلى أرقام عن حجم السوق بقدر حاجته إلى عبوة موجودة وسعر يستطيع تحمله، لأن حق العلاج يفقد معناه عندما يتحول الدواء إلى سلعة يبحث عنها الناس بالأيام.

 

ولهذا تبقى أزمة الدواء في مصر أزمة شح وغلاء معاً، حيث لا يكفي وجود سعر رسمي بلا صنف، ولا يفيد توافر الدواء إذا أصبح ثمنه أكبر من قدرة الأسرة.