عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
سعد الدين الهلالي المفترض أنه أستاذ للفقه المقارن في جامعة الأزهر، أي: أنه درس الفقه وأصوله، ودرس البحث الفقهي كيف يكون، وقد كانت أهم كتبه الفقهية، حين كان في جامعة الكويت معارا إليها، حيث كانت الكتب تخضع لميزان علمي، وتحكيم دقيق، وهو ما بنى عليه سمعته العلمية.
لكنه بعد نزوله مصر، وهو يسعى جاهدا بكل ما أوتي من جهد، أن يذهب وراء كل رأي شاذ، وشرود علمي، فيملأ فمه بالكذب على الفقهاء والأئمة، ليطرح رأيا يجتذب به الجمهور، ويكمل في الحديث الفقهي ليضرب معارضي السلطة، ليضرب عصفورين بحجر واحد، ضرب للثوابت، وتشكيك الناس فيما رسخ لديهم، وتقديم خدمة مجانية للسلطة، مغازلة لها.
أكاذيب فقهية وتاريخية
من أواخر ما صدر عنه، ادعاءه أن سبعة من الصحابة كانوا يتختمون بالذهب، مدعيا أن الإمام أبي حنيفة يجيز التختم بالذهب للرجال. وأن جمهور الفقهاء على أن صوت المرأة عورة، عدا المذهب الشافعي والظاهري، وأن الإخوان تركوا قول الجمهور وتبنوا الرأي القائل بأن صوت المرأة عورة، ولكنهم للمتاجرة تبنوا أن صوتها ليس عورة، ليصوتوا لصالحهم في الانتخابات!!
قبل تناول أكاذيب الهلالي على الفقهاء، ثم على الإخوان، وكتب الفقهاء موجودة، ليس عسيرا على أصغر طالب علم في الأزهر، أو في أي مدرسة علمية، أن يذهب إليها، ونفس الأمر، لو ذهبت لأي كتاب يعبر عن فكر الإخوان، ستجد رأيهم مبثوثا وواضحا في قضية صوت المرأة كصوت وتعامل، وترشح المرأة للمجالس النيابية، أو تصويتها في الانتخابات.
شيخ الأزهر يرفض عضوية الهلالي في كبار العلماء
لكن قبل الحديث لا بد أن نشيد هنا بموقف شيخ الأزهر من سعد الدين الهلالي، منذ بدأ ينشر ترهاته وآرائه الشاذة، وذلك بعد ثورة يناير مباشرة، فقد كان الهلالي يغازل الجميع، يطمح أن يكون مفتيا، وقبل انتخابات هيئة كبار العلماء التي يختارون فيها مفتيا لمصر، كان اسم الهلالي مطروحا، لكن قبلها استدعى شيخ الأزهر الهلالي للمشيخة ووبخه على ما يطرح من آراء، ونشرت بعض تفاصيل هذا اللقاء، مما قطع الطريق على طموحه في الإفتاء.
وحاولت السلطة أكثر من مرة لطرح اسمه ليكون عضوا بهيئة كبار العلماء، وكما حدثني بعض الثقات من أهل العلم، أن كل هذه المحاولات كانت تقابل برفض صارم من الشيخ الطيب، إلى أن صارح مسؤولا كبيرا كان يلح في طرح اسم الهلالي فقال له: إن الهلالي شخص لا يؤتمن على ميراث النبوة، ولن أن أقبل عضويته في الهيئة.
جمهور الفقهاء وصوت المرأة
ادعى الهلالي أن جمهور الفقهاء يرى أن صوت المرأة عورة، وأن الشافعية والظاهرية فقط يريا أنه ليس عورة، وهو تدليس على المذاهب الفقهية، والتي تناولت قضية صوت المرأة في أكثر من موضع، ومع ذلك نجد نصوص المذاهب تنطق بتكذيب الهلالي، وأن القول بعورة صوت المرأة قول يعوزه الدليل، وجاء من بعض الآراء الفقهية التي كانت تميل للتحفظ، ومنعا لإثارة الفتنة.
فالفقه الحنفي والمالكي والحنبلي، على خلاف ما ذكر الهلالي في قضية صوت المرأة، فنرى عند الأحناف قولهم: (ولا يظن من لا فطنة عنده أنا إذا قلنا صوت المرأة عورة أنا نريد بذلك كلامها؛ لأن ذلك ليس بصحيح فإنا نجيز الكلام مع النساء الأجانب ومحاورتهن عند الحاجة إلى ذلك ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحريك الشهوات منهم ومن هذا لم يجز أن تؤذن المرأة. وهذا يفيد أن العورة رفع الصوت الذي لا يخلو غالبا عن النغمة لا مطلق الكلام).
وعند المالكية نجد قولهم: (وقد يقال إن صوت المرأة ليس عورة حقيقة بدليل رواية الحديث عن النساء الصحابيات وإنما هو كالعورة في حرمة التلذذ بكل وحينئذ فحمل الكراهة على ظاهرها وجيه تأمل)، وعند الحنابلة روايتان في الموقف من صوت المرأة هل هو عورة أم لا؟ إضافة لموقف الشافعية والظاهرية، أي: أن جمهور العلماء على أن صوت المرأة ليس عورة، فمن أين أتى الهلالي بادعاء ما قاله؟!
الإخوان وصوت المرأة وترشحها للانتخابات
والعجيب أن الهلالي أقحم الإخوان بلا أدنى علاقة بالموضوع، وخلط بين صوت المرأة الفعلي، والصوت الانتخابي، وأن الإخوان استغلوا ذلك، فأخذوا بالرأي الذي يجيز، وهو جهل مطبق من شخص ينتسب لجامعة عريقة، وهي جامعة الأزهر، والمفترض أنه رجل أكاديمي، لكن مثل هذه الشخصيات التي تلتصق بالسلطة، تلقي خلف ظهرها معايير العلم، ولا تنظر سوى لمعايير السلطة.
فأي باحث منصف لتاريخ الإخوان وفكرها، يعلم أن الشيخ حسن البنا رحمه الله، من أوائل شيوخ القرن العشرين الذين تحدثوا عن قضية ترشح المرأة، وليس عن قضية حقها في التصويت الانتخابي، فهذا أمر مفروغ منه عنده، لكن الدوائر الإسلامية الرسمية والشعبية، كانت تتكلم عن حق الترشح.
فمبكرا كان حسن البنا يذهب لجواز ترشح المرأة، ودخولها غمار العمل السياسي، وكتب في ذلك في موضعين مهمين، الأول: في مجلة (المنار) والتي تولى إصدارها بعد وفاة العلامة محمد رشيد رضا مؤسسها، وقد كتب سلسلة مقالات عن المرأة المسلمة، قام بجمعها فيما بعد في رسالة وحققها وخرج أحاديثها العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. والموضع الثاني: في مجلة (النذير)، حين تعرض الشيخ المراغي لهجوم وانتقاد بسبب حديث له عن المرأة، وقد كتب البنا سلسلة مقالات حول الموضوع، ولم تجمع للأسف.
كان حسن البنا يرى أن المرأة لها كل هذه الحقوق السياسية، لكن لا بد أن يسبق ذلك بيئة تحسن التعامل مع الملف، وتهيئة للمجتمع، والمرأة كذلك، كي تقوم المرأة بدورها كما ينبغي، ويعاونها في ذلك مجتمع يقدر مكانتها ودورها، ويذلل العقبات التي تواجهها، وأن على الجهات المعنية القيام بهذا الدور، من حيث تثقيف المرأة سياسيا واجتماعيا ودينيا، لتكون مؤهلة لأداء دورها السياسي. كان ذلك في سنة 1939، وسنة 1940م، أي: في وقت مبكر جدا.
وبعد وفاة البنا، كان خط الجماعة الفكري في هذا السياق متقدما عن جل التيارات السياسية الرسمية والشعبية، فعندما كتب الأستاذ خالد محمد خالد كتابه: (من هنا نبدأ)، وقام بالرد عليه الشيخ الغزالي بكتابه: (من هنا نعلم)، وقد عقد فصلا عن المرأة ودورها السياسي.
وعندما تولى الأستاذ حسن الهضيبي منصب المرشد العام بعد وفاة البنا، وقامت الضباط الأحرار بثورة يوليو، في عام 1953م كلف المرشد الأستاذ البهي الخولي بكتابة كتاب عن المرأة، بعنوان: المرأة بين البيت والمجتمع. وقد نشر تحت عنوان: من رسائل الإخوان المسلمين، ليكون معبرا عن موقفها الفكري، وفيه فصل مهم عن حقوق المرأة السياسية. في هذا التوقيت كانت هناك فتوى أصدرتها لجنة الفتوى في الأزهر، تمنع فيه المشاركة السياسية للمرأة بالانتخاب للمجالس النيابية وغيرها.
وظل هذا الخط الفكري موجودا في أدبيات الإخوان، وتطور إلى أن رشحت الجماعة لأول مرة في تاريخها سيدة، كانت الدكتورة جيهان الحلفاوي، ثم في الدورة التالية الدكتور مكارم الديري، فضلا عن فروع الإخوان في دول أخرى، على رأسها الأردن، كانت مشاركات المرأة السياسية فيها متميزة.
إن أي باحث فقهي أو في الجماعات الإسلامية، وفي تاريخ الإخوان، يسهل عليه كشف زيف وتدليس سعد الدين الهلالي، سواء ما ادعاه على الفقهاء، أو الإخوان، لكن مشايخ السلطة يحاولون إلصاق كل نقيصة، أو ذم، بمعارضي السلطة، أيا كان توجههم، وقد زاد في الآونة الأخيرة، بشكل يشعرك وكأن الإخوان سيحكمون مصر غدا، أو يشكلون تهديدا قويا على النظام، رغم أن نشاطهم أبعد ما يكون عن هذا التهديد، لكنها الفزاعة التي بنى عليها النظام شرعيته، وكذلك أذرعه الإعلامية والدينية.

