تدخل منظومة العدالة المصرية أيامًا فاصلة قبل بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الأول من أكتوبر 2026، بينما تضع الرسوم المرتبطة بالتحول الرقمي تكلفة الوصول إلى القضاء وحق الدفاع في قلب الجدل.

 

وتضع الرسوم المعلنة المحامين والمتقاضين أمام فاتورة تشمل 500 جنيه لحضور جلسة جنايات عن بُعد و100 جنيه لتجديد الحبس و10 جنيهات للصفحة، فضلًا عن اشتراك سنوي وباقات رسائل مدفوعة مقدمًا.

 

 

رسوم رقمية ترفع تكلفة الدفاع

 

وتبدأ المشكلة من الاشتراك السنوي في منصة خدمات المحامين بقيمة 500 جنيه، قبل أن تتكرر المدفوعات مع الجلسات والتجديدات وطلبات التصوير، فتضيف الرقمنة بندًا ماليًا متجددًا إلى جانب دورها في اختصار الإجراءات.

 

ويؤكد عمرو الخشاب، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، أن النقابة لم تطلب هذه الرسوم ولم توافق عليها، معتبرًا أن التقاضي مرفق خدمي لا ينبغي التعامل معه باعتباره نشاطًا استثماريًا.

 

ووفق الرسوم المعلنة، يدفع المحامي 500 جنيه للجلسة الواحدة أمام الجنايات عن بُعد، بينما تبلغ جلسة تجديد الحبس 100 جنيه، مع شحن رصيد مسبق يخصم منه مقابل الخدمات المستخدمة.

 

كما تفرض المنصة 10 جنيهات مقابل تصوير الصفحة الواحدة من ملف القضية، و5 جنيهات للرسالة النصية، أو 2500 جنيه لباقة تضم 500 رسالة لمتابعة القرارات والإخطارات المرتبطة بالجلسات.

 

وفي القضايا الممتدة، لا تتوقف التكلفة عند جلسة واحدة، إذ يمكن أن تتكرر جلسات التجديد والحضور والاطلاع والتصوير، فتتراكم المدفوعات على مكاتب المحاماة ثم تنعكس على المتقاضين وأسرهم.

 

وفوق ذلك، تعني جلسات الحبس المتكررة أن الأسر التي تتابع قضايا طويلة قد تواجه نفقات ثابتة كلما تجددت الإجراءات، بينما يتحمل المحامون المتطوعون العبء نفسه دون مقابل من الموكلين.

 

ومن جهة أخرى، قالت وزارة العدل إن استخدام الحضور عن بُعد اختياري وليس إلزاميًا، وإن الإجراءات التقليدية ستظل متاحة، لكن المحامين الطاعنين يقولون إن المنصة تصبح عمليًا لازمة عندما تجرى الإجراءات إلكترونيًا.

 

ولهذا انتقل الخلاف من نقاش مهني إلى ساحة القضاء الإداري، بعدما أقام محامون دعوى تطالب بإلغاء الرسوم، مستندين إلى أن فرض أعباء مالية عامة يحتاج سندًا تشريعيًا واضحًا ومحددًا.

 

 

رسوم القضاء أمام الاختبار الدستوري

 

وتستند الدعوى إلى المادة 38 من الدستور، التي تقرر أن تكليف الأفراد بالضرائب أو الرسوم لا يكون إلا في حدود القانون، وهو ما وضع أساس الرسوم الجديدة تحت اختبار قضائي مباشر.

 

ويقول خالد علي، المحامي الحقوقي وأحد المشاركين في إقامة الدعوى، إن الرسوم المقررة على استخدام المنصة تمثل أعباء إضافية، وإن إنشاءها بقرار إداري يثير مسألة اختصاص السلطة التشريعية بفرض الرسوم.

 

وبالإضافة إلى ذلك، أشار بسام الصواف، عضو مجلس النواب، إلى أن قرارات تنظيمية صدرت خلال مارس 2025 شملت نحو 33 خدمة قضائية، ووصلت الزيادات في بعضها إلى ما بين 200 و500%.

 

كما أشار الصواف إلى أن تصوير الورقة الرسمية في بعض الملفات الجنائية يصل إلى 40 جنيهًا للأولى و35 جنيهًا لما يليها، بما يرفع تكلفة ملف من ألف ورقة إلى أكثر من 35 ألف جنيه.

 

وبذلك لا تقتصر المسألة على تكلفة التكنولوجيا نفسها، بل تمتد إلى منظومة أوسع من المقابل المالي لاستخراج المستندات والاطلاع والتنفيذ، وهي خدمات ترتبط مباشرة بإعداد الدفاع ومتابعة القضية ومباشرة الإجراءات.

 

وفي المقابل، يتمسك مقدمو الطعن بأن تطوير المحاكم إلكترونيًا لا يمنح الإدارة سلطة مفتوحة لإنشاء رسوم جديدة، ويستندون إلى حكم دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا الصادر في 3 يوليو 2003.

 

ووفق ما أورده الطعن، قرر الحكم أن تحميل المتقاضين مساهمة مالية مرتبطة بتطوير المرفق القضائي يحتاج تدخل المشرع، بما يربط أي زيادة في الرسوم بمبدأ الشرعية وسيادة القانون.

 

كما استند المحامون إلى الضمانات الدستورية المتعلقة بحق التقاضي وحق الدفاع، معتبرين أن الرسوم إذا تحولت إلى عائق مالي فإن أثرها لا يقف عند المحامي، بل يصل مباشرة إلى المتهم والمتقاضي.

 

ومن ثم تصبح القضية أوسع من خلاف حول 500 جنيه أو 100 جنيه، لأنها تمس سؤالًا جوهريًا حول قدرة أصحاب الدخول المحدودة على الوصول إلى الخدمات القضائية بالمستوى نفسه المتاح لغيرهم.

 

وفي الوقت نفسه، يبقى الفصل في مشروعية هذه الرسوم بيد القضاء المختص، بينما لا تزال اعتراضات المحامين والتحركات البرلمانية قائمة قبل أيام من دخول القانون الجديد حيز التنفيذ رسميًا.

 

 

الحبس البديل بين النص والتطبيق

 

ويبدأ قانون الإجراءات الجنائية الجديد سريانه في الأول من أكتوبر 2026 بعد نشره في 12 نوفمبر 2025، ويلغي القانون القديم رقم 150 لسنة 1950 مع مراعاة الأحكام الانتقالية التي حددها المشرع.

 

ويمنح القانون النيابة في المادة 114 سبعة تدابير بديلة للحبس الاحتياطي، من بينها عدم مغادرة المسكن، والتردد على قسم الشرطة، وحظر أماكن محددة، وتقييد الحركة جغرافيًا، وتتبع المتهم تقنيًا.

 

وفي الوقت نفسه، تحدد المادة 113 حالات إصدار أمر مسبب بالحبس الاحتياطي، وتشمل التلبس والخشية من الهروب أو الإضرار بالتحقيق أو الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام المرتبط بجسامة الجريمة.

 

ومع ذلك، يؤكد حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن سلامة المحتجز تظل مسؤولية الدولة كاملة ما دام مسلوب الحرية ولا يستطيع بنفسه اختيار مكان الاحتجاز أو الحصول على العلاج.

 

وفي هذا السياق، تواصل منظمات حقوقية خلال 2026 إثارة ملفات الرعاية الصحية وظروف الاحتجاز، مطالبة بتوفير العلاج والفحص الطبي والتحقيق في الشكاوى المتعلقة بأوضاع بعض المحتجزين داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.

 

كما تواصل جهات حقوقية التحذير من أن إطالة الحبس الاحتياطي قد تنقله عمليًا من إجراء مؤقت مرتبط بالتحقيق إلى وضع يمتد أثره إلى العمل والدخل والأسرة قبل صدور حكم نهائي.

 

وفي المقابل، يضع القانون الجديد بدائل سبعة أمام جهات التحقيق، بما يوفر على الورق مساحة أوسع لتقليل اللجوء إلى الحبس، لكن قيمة هذه البدائل ستتوقف على معدل استخدامها الفعلي.

 

وفي ملف الرعاية الصحية، تظل النصوص القانونية وحدها مرتبطة بقدرة المنظومة على توفير الفحص والعلاج والاستجابة الطبية، وهي نقطة ظلت محل مطالب حقوقية متكررة خلال العام الجاري.

 

وعلى الجانب المالي، سيختبر التطبيق ما إذا كانت الرقمنة ستقلل الوقت والجهد فعلًا أم ستضيف طبقة جديدة من النفقات، خصوصًا للقضايا الطويلة والأسر محدودة الدخل والمحامين الذين يتولون الدفاع تطوعًا.

 

وبين هذين المسارين، يدخل القانون الجديد إلى الواقع محاطًا بوعدين متوازيين: تحديث الإجراءات وتوسيع بدائل الحبس، مقابل نزاع قانوني مفتوح حول رسوم قد تجعل بعض أدوات العدالة أكثر كلفة على مستخدميها.

 

وفي النهاية، ستظل المحكمة المختصة هي التي تحسم مشروعية الرسوم المطعون عليها، بينما سيظهر التطبيق منذ أكتوبر ما إذا كان التحول الرقمي سيخفض كلفة الإجراءات أم ينقل جزءًا أكبر منها إلى المتقاضين.