تعيد إعلانات مدارس حكومية في محافظات مختلفة أزمة نقص المعلمين إلى الواجهة بعد 12 يومًا فقط من بدء الدراسة، بعدما طلبت معلمين بالحصة والتطوع والخدمة العامة في تخصصات أساسية ومستحدثة.

 

وتضع هذه الإعلانات التصريحات الرسمية عن معالجة العجز أمام اختبار عملي، إذ بدأت الدراسة في المدارس الحكومية يوم 12 سبتمبر، بينما عادت مدارس بعدها بأيام للبحث المباشر عن مدرسين لضمان استمرار الجداول.

 

 

إعلانات المدارس تعيد أزمة العجز

 

وفي المنوفية، طلبت المدرسة الثانوية القديمة للبنات بشبين الكوم معلمي لغة عربية بالأجر، إلى جانب مدرسين للثقافة المالية بنظام التطوع من خريجي التجارة أو التربية، بما يعكس نقصًا متعدد التخصصات.

 

كما أعلنت مدرسة الشهيد خيري السحيمي الثانوية المشتركة حاجتها إلى معلمي البرمجة والذكاء الاصطناعي، وهي مواد يرتبط نجاح إدخالها إلى المدارس بتوافر كوادر قادرة على تدريسها بصورة مستقرة.

 

وفي القاهرة، امتدت الاحتياجات إلى مدارس في شبرا الخيمة وحدائق القبة والشروق والقاهرة الجديدة، مع دعوة الراغبين إلى التقدم داخل المدارس نفسها، بدل الاكتفاء بتوزيع مركزي يغطي الاحتياجات قبل الدراسة.

 

وبينما كانت الوزارة قد قالت في أغسطس إن الاعتماد على معلمي الحصة ساهم في القضاء على جزء كبير من العجز، أقر محمد عبد اللطيف في سبتمبر بأن العجز بلغ في وقت سابق 469 ألف معلم.

 

ومع بدء العام الدراسي، أصدرت الوزارة في 18 سبتمبر ضوابط جديدة لسد العجز، سمحت بالاستعانة بحملة المؤهلات التربوية بنظام الحصة، وبالمعلمين فوق النصاب، وبالموجهين في الحالات القصوى.

 

وفي المقابل، فإن صدور هذه الضوابط بعد ستة أيام من انطلاق الدراسة يوضح أن ملف توزيع المعلمين والاحتياجات لم يكن مغلقًا قبل دخول الطلاب الفصول، وأن المعالجة ما زالت مستمرة أثناء الدراسة.

 

وفي هذا السياق، يقول الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن إصلاح التعليم يتطلب التعامل المتوازي مع إعداد المعلمين وتأهيلهم وسد العجز، لا الاكتفاء بتطوير المناهج.

 

ومن ثم، فإن البحث عن مدرسين بعد انطلاق الدراسة لا يتعلق بعدد الأشخاص فقط، بل يمس قدرة المدرسة على تقديم المناهج الجديدة، واستقرار الجدول، وتكافؤ فرص الطلاب بين مدرسة تملك معلميها وأخرى تنتظر متطوعًا.

 

 

خمسون جنيهًا لا تصنع استقرارًا

 

وفي الضوابط الجديدة، حددت الوزارة مقابل الحصة للمستعان بهم عند 50 جنيهًا، مع سقف لا يتجاوز 20 حصة أسبوعيًا، على أن يستمر الصرف حتى نهاية الخريطة الزمنية للعام الدراسي.

 

وبحساب الحد الأقصى، يصل المقابل النظري إلى أربعة آلاف جنيه تقريبًا خلال أربعة أسابيع قبل أي خصومات أو أيام لا تُعقد فيها حصص، وهو دخل لا يوفر وظيفة دائمة أو ضمانًا مهنيًا.

 

كما أن نظام الحصة يجعل دخل المعلم مرتبطًا بعدد الحصص الفعلية، ويضعه خارج مسار وظيفي مستقر، رغم تحميله مسؤولية الشرح والتقييم والانضباط داخل الفصل شأنه شأن المعلم المعين.

 

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن ضعف مقابل الحصة قد يدفع بعض العاملين إلى الدروس الخصوصية أو أداء العمل دون الإتقان المطلوب.

 

وفوق ذلك، طالب الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، برفع قيمة الحصة إلى 100 جنيه وإبرام عقود تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، معتبرًا التعاقد الموسمي غير كاف لتحقيق الاستقرار.

 

ومع ذلك، لا تقف المشكلة عند قيمة الحصة وحدها، لأن المعلم المؤقت يبدأ عامه وهو يعرف أن استمراره مرهون بالاحتياج وعدد الحصص، لا بمسار واضح يضمن له التدرج والاستقرار.

 

وبالتالي، تتحول سياسة سد العجز إلى إدارة يومية للنقص بدل إنهائه، فكل مدرسة تبحث عن العدد الذي يكفي جداولها الحالية، بينما يبقى أصل المشكلة متعلقًا بالتعيين والتوزيع والتمويل طويل الأجل.

 

وفي الوقت نفسه، تسمح القواعد بإسناد حصص إضافية للمعلمين المعينين فوق النصاب، ما يرفع العبء على العاملين الموجودين أصلًا، ويجعل سد الفجوة قائمًا جزئيًا على زيادة أحمالهم الأسبوعية.

 

ولهذا، تبدو الخمسون جنيهًا أداة لتسيير اليوم الدراسي أكثر منها مسارًا لبناء قوة تعليمية مستقرة، خصوصًا عندما تصبح المدرسة محتاجة إلى مدرس لغة عربية أو رياضيات أو إنجليزي بصورة متكررة.

 

 

التطوع ينقل الأزمة إلى المدارس

 

أما الأكثر دلالة، فهو ظهور إعلانات تطلب مدرسين بالتطوع أو الخدمة العامة، بما يعني أن سد بعض الاحتياجات لا يعتمد فقط على أجر منخفض، بل يصل إلى الاستعانة بعمل بلا أجر وظيفي منتظم.

 

وفي الحالة نفسها، يصبح مدير المدرسة مطالبًا بالبحث عن مدرسين والتواصل مع الخريجين واستقبال الطلبات، وهي مهام كان يفترض أن تسبق العام الدراسي ضمن حصر مركزي للاحتياجات وتوزيع الكوادر.

 

ومن جهة أخرى، يفتح تفاوت وسائل سد العجز بين الحصة والتطوع والخدمة العامة بابًا لاختلاف جودة الاستقرار بين المدارس، تبعًا لقدرتها المحلية على العثور على أشخاص يقبلون هذه الشروط.

 

وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور حسام بدراوي، رئيس مؤسسة النيل بدراوي للتعليم والتنمية، أن وجود احتياج للمعلمين بالتزامن مع وجود خريجي تربية بلا تعيين يعكس خللًا في التنسيق المؤسسي.

 

كما يرى بدراوي أن تعيين المدرسين بالحصة يضر بمكانة المهنة، ويطرح بدلًا منه ربط احتياجات المدارس بخريجي كليات التربية وتوفير مسار مهني واضح يضمن اختيار الأكفأ وتدريبهم واستمرارهم.

 

وبينما تعتمد بعض المدارس على حلول فورية حتى لا تبقى الفصول بلا مدرسين، فإن هذه الحلول لا تمنع تكرار الإعلانات في العام التالي إذا ظلت الوظائف الدائمة أقل من الاحتياجات الفعلية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن المواد الجديدة مثل البرمجة والذكاء الاصطناعي والثقافة المالية تحتاج إلى تدريب وتراكم خبرة، وهو ما يصعب ضمانه عندما يكون المعلم متطوعًا أو مرتبطًا بحصص موسمية.

 

وفي السياق ذاته، يربط الدكتور كمال مغيث، الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، بين نقص المعلمين وضعف الإنفاق الحقيقي على التعليم، ويرى أن الحلول المؤقتة لا تبني مدرسة مستقرة.

 

ومع استمرار هذا النمط، يدفع الطلاب ثمن الفجوة بصورة مباشرة، لأن نقص المعلمين يعني اضطراب الجداول أو توزيع حصص على مدرسين مثقلين أصلًا، أو الاعتماد على بدائل مؤقتة لا تملك استقرارًا وظيفيًا.

 

وفي النهاية، تضع الإعلانات المنشورة بعد أيام من بدء الدراسة معيارًا بسيطًا للحكم على ملف العجز: المدرسة التي ما زالت تبحث عن معلم لم يصلها بعد الحل الذي قيل إنه تحقق.

 

وبذلك، لا يصبح السؤال هل تستطيع الوزارة تدبير مدرس يقف أمام الفصل غدًا، بل هل تستطيع بناء سياسة تمنع المدرسة أصلًا من بدء عامها وهي تبحث عن معلم بالحصة أو متطوع.