معن البياري

رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن

 

...، أما جيفري هينتون (79 عامًا)، فهو عالم الحاسوبيات الذي أحرز جائزة نوبل في الفيزياء في 2024، ومن ألقابه أنّه "الأب الروحي" للذكاء الاصطناعي. لا يتوقّف منذ ثلاث سنوات عن إشهار قلقه من التقدّم السريع والمضطرد لهذا الاختراع الذي باتت أصواتٌ تستسهل كلامًا إنه سيقضي على البشرية، الأمر الذي يردّ هينتون على سؤال بخصوصه، في مقابلةٍ مع "بي بي سي"، قبل أيام؛ إنّ تقدير هذا الاحتمال بنسبة 10% ليس غير معقول، لكنّه يوضح إنه لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره علميًا دقيقًا، ويوضح أكثر أنّ البشر لم يسبق أن صنعوا شيئًا أكثر ذكاء منهم، ولذلك ليس من تجربةٍ سابقةٍ يمكن القياس عليها. وكان العالِم العتيد قد اعترف، في مقابلة في 2023 مع "نيويورك تايمز"، بأنّ "جزءًا منه" يشعر بالندم على عمله. والظاهر أنه كان قد سبق صخب التحذيرات المفزعة التي تتواتر منذ أسابيع، في تصريحاتٍ بدا أنها مهّدت لما نسمع ونقرأ. أما الجديد في جديد ما يقول إيجازه  الباهر القصة كلّها، إنّ السؤال الأهم ليس ما إذا يمكن منع الذكاء الاصطناعي من إيذائنا، إنما كيف نجعله لا يريد إيذاءنا. ولعلّه كان بليغًا أيّما بلاغةٍ في تشبيهه العلاقة المحتملة بين الإنسان والذكاء الذي يتفوّق عليه بالعلاقة بين الإنسان والدجاج، فالدجاجة، بداهةً وكما يقول، لا تستطيع فهم ما يخطّط الإنسان لفعله ولا التنبؤ به ولا استيعابه، والخشية أن يصبح البشر في الحال نفسه مستقبلًا أمام الذكاء الاصطناعي فائق التقدّم. إنه لا يرى أن هذا الذكاء سيحمل، بالضرورة، ضغينة للبشر، إنما الخطر في التعامل معنا ككائناتٍ أدنى ذكاءً لا حول لها ولا قوة، تمامًا كما يتعامل البشر مع الدجاج.

 

ولكن ثمة دجاجةٌ فصيحةٌ وراجحة، ليست على النحو الذي تخيّل العالم البريطاني الكندي الإنسان سيصبح مثلها، عندما يتفوّق عليه الذكاء الاصطناعي ذكاءً. يزعم صاحب هذه السطور إنّ البشرية في حاجة إلى أن تتحلّى بالقيم التي دافعت عنها تلك الدجاجة التي أنطقها الفلسطيني الرائد، إسحق موسى الحسيني، في روايته "مذكّرات دجاجة"، وصدرت أولى طبعاتها في القاهرة في 1943، بمقدّمةٍ كتبها طه حسين، بدأها بوصف تلك الدجاجة "عاقلةٌ جدّ عاقلة". و"فصيحة تفكّر فتُحسن التفكير". وإذا كانت مخيّلة جيفري هينتون أخذته إلى أنّ الإنسان سيصير أمام جبروت الذكاء الاصطناعي كما الدجاجة في انعدام قدرتها على التفكير والتنبؤ والفهم، فإنّ مخيّلة إسحق الحسيني أودعت دجاجةً قبل أزيد من 80 عامًا كل القدرة على صواب التفكير والعقل، بل كانت "تشعر شعور الإنسان وتفكّر تفكيرهم وتعبّر كما يعبّرون"، لكنها تنطق بالحب، وتلحّ عليه، وهي التي أحبّت زوجها الديك والدجاجات الأخريات. وتقول "نعمة الحب هي نعمة النعم، فما أجدرنا أن نقدّرها قدرها، ونفيها حقّها". وترى من عجيب أمر الدنيا أننا "في يوم يتملّكنا الانقباض والضجر، وفي آخر يشيع في قلوبنا الطرب والفرح". وفي موضعٍ آخر تسأل، وهي تسرد وقائع من يوميّاتها، "ألا يجب على الفرد أن يضحّي من مطامعه في سبيل تحقيق الوحدة والانسجام والسرور للجميع؟"، وتقول، في موضع تالٍ، "لو كنّا نحبّ لغيرنا ما نحبّه لأنفسنا، ونحبّ لأنفسنا ما نحبّه لغيرنا، لساعدنا الضعيف حتى يقوى، والمريض حتى يبرأ، والمُعيل حتى يتفرّغ لنفسه".

 

كل هذه الأفكار، وكثير مثلها، تقولها دجاجة، قال إسحق الحسيني إنه استوحاها وهو يتأمّل في دجاجة، عاشت في بيته، ووقع بينها وبينه "ألفةٌ ومحبّة"، وشطح فكتب "...، ولو قُدّر لصديقتي الدجاجة أن تتكلّم بلغة الأناسي لما قالت غير ما تقرأ". إذن، لم لا نصير كما دجاجة الكاتب المقدسي الحصيف، إذا ما وقعت الواقعة، وصِِرنا كما الدجاج، على ما يُنذرنا العالم النابه، جيفري هينتون، والذي تصدُر مخاوفُه التي يُشهرها عن حرصٍ في حشاياه على البشرية، وعلى العقلانية والحكمة والإنسانية، وكثيرٌ من هذه وتلكما اتّصفت به تلك الدجاجة، الفلسطينية كما رآها طه حسين.

 

استعصى على كاتب السطور أعلاه أن يُفضي بأيّ تعليق على "نبوءةٍ" مخيفةٍ يجهر بها عالِم الذكاء الاصطناعي، النادم بعض الشيء، بغير استذكار دجاجةٍ عاقلةٍ حكيمة، ترى في محبّة الآخرين وإعانتهم، وفي حبّ الزوج (!)، خلاصًا للناس وسعادة لهم.