قتل انهيار منجم للتعدين الأهلي في ولاية البحر الأحمر شمال شرقي السودان قرب الحدود المصرية 11 شخصا وأصاب 30 آخرين في كارثة جديدة تضرب عمال المناجم وسط ظروف عمل شديدة الخطورة.

 

وتأتي المأساة بعد أيام قليلة من انهيار منجم ذهب في منطقة كردفان أسفر عن مقتل نحو 80 شخصا وإصابة عشرات آخرين بما يضاعف المخاوف من اتساع ضحايا التعدين غير المنظم في البلاد.

 

آبار تنهار والضحايا يتزايدون

 

وأفاد مصدر حكومي سوداني بأن الحادث وقع اليوم الأحد داخل منجم للتعدين الأهلي في ولاية البحر الأحمر بينما تتواصل عمليات البحث والإنقاذ وسط احتمال العثور على ضحايا جدد تحت الأنقاض.

 

كما أظهرت إفادات ناجين أن آبار المنجم بدأت بالانهيار منذ أمس السبت قبل أن تتفاقم الكارثة بحلول صباح الأحد عندما أصبحت عمليات إخراج العالقين مهمة شاقة بوسائل محدودة.

 

ومن بين الحصيلة الأولية جرى انتشال عشر جثث و21 مصابا في الساعات الأولى فيما ظلت فرق الإنقاذ تواصل الحفر بحثا عن ناجين آخرين داخل الآبار المنهارة.

 

وأضاف أحد الناجين أن العمال استخدموا الآليات المتاحة داخل المنجم وأدواتهم الخاصة في الحفر وهو ما يعكس محدودية الإمكانات التي واجهت عمليات الإنقاذ منذ اللحظات الأولى.

 

وتزيد قرب المنطقة من الحدود المصرية حساسية الحادث خصوصا مع استمرار عمليات الحفر داخل موقع لم تتوافر فيه وسائل كافية لتثبيت الآبار أو حماية العاملين من الانهيارات.

 

وفي ظل استمرار البحث بقيت أعداد الضحايا مرشحة للارتفاع بعدما تسببت الانهيارات المتتالية في إغلاق أجزاء من المنجم وعرقلة الوصول إلى العمال الذين قد يكونون عالقين في الداخل.

 

حرب تدفع نحو التنقيب الخطر

 

وتوضح ظروف الحادث اتساع اعتماد السودانيين على التعدين الأهلي بعدما دفعت الحرب الدائرة في البلاد أعدادا كبيرة إلى فقدان أعمالهم والبحث عن مصادر دخل بديلة في مناطق غير رسمية.

 

كما تحول التعدين غير النظامي إلى ملاذ قاس لأسر فقدت مواردها فصار العمل داخل مناجم متوقفة أو غير مجهزة خيارا اضطراريا رغم احتمالات الانهيار والتعرض للمواد السامة.

 

ومنذ اتساع القتال تضرر الاقتصاد المحلي الضعيف أصلا فاشتدت البطالة وتراجعت فرص العمل وأصبح الذهب بالنسبة إلى كثيرين وسيلة للبقاء حتى عندما تكون أدوات الحفر بدائية ومخاطرها معروفة.

 

وفي هذه المواقع يعمل العمال بأيديهم أو بآليات محدودة لا توفر حماية كافية بينما يواجهون صخورا متماسكة وآبارا قابلة للانهيار في أي لحظة دون تجهيزات إنقاذ متخصصة.

 

إلى جانب ذلك يحصل كثير من العاملين على أجور يومية زهيدة ما يجعلهم أكثر استعدادا لتحمل الخطر ويضعهم أمام معادلة قاسية بين احتمال الموت والحاجة إلى توفير لقمة العيش.

 

ومع تراجع البدائل الاقتصادية يصبح العمل في تلك المناجم امتدادا لأزمة أوسع إذ يتقدم الاحتياج اليومي على حساب السلامة وتتحول المخاطرة إلى جزء ثابت من حياة العاملين.

 

ذهب كثير و لا حماية من المخاطر

 

وبينما يدر قطاع التعدين دخلا مهما على البلاد يدفع العمال الثمن الأكبر في مواقع تفتقر إلى الرقابة إذ يستخرجون شذرات الذهب من كتل صخرية داخل مناجم لا تضمن سلامتهم.

 

كما يتعرض العاملون خلال عمليات الاستخراج لمواد كيميائية خطرة بينها السيانيد الذي يرتبط بانتشار أمراض ومخاطر صحية في وقت يستمر فيه استخدامه داخل نشاط ذهبي خارج الأطر الرسمية.

 

وعلى الرغم من هذه المخاطر ظل التعدين يوفر فرص العمل لأكثر من مليوني شخص قبل تهديد الحرب ملايين السودانيين بالجوع ما يفسر استمرار الإقبال على القطاع رغم كلفته الإنسانية.

 

وفي المقابل يحتل السودان موقعا بارزا بين منتجي الذهب في أفريقيا وسجل العام الماضي أعلى إنتاج له خلال خمسة أعوام بعدما بلغ 70 طنا في مؤشر على حجم الثروة المستخرجة.

 

لكن ارتفاع الإنتاج لا ينعكس بالضرورة على حماية العاملين إذ تظل مناطق التعدين الأهلي عرضة للحوادث وتبقى الأرباح محكومة بظروف الحرب وغياب التنظيم بينما يتحمل العمال الخسائر المباشرة.

 

ومن ناحية أخرى حظر الاتحاد الأوروبي في يوليو نقل وبيع وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان بسبب استخدام المادتين في تجارة الذهب غير النظامية دون أن ينهي ذلك المخاطر المتراكمة.

 

ويعني استمرار استخدام الزئبق والسيانيد في النشاط غير النظامي أن القيود الخارجية لم تمنع المخاطر بينما بقيت أسباب اللجوء إلى التعدين قائمة مع تراجع الاقتصاد وتواصل الحرب.

 

ومع استمرار الحرب تظل المناجم غير الرسمية مساحة مفتوحة لتكرار الكوارث خصوصا مع غياب وسائل الحماية والإنقاذ وتحول الفقر والبطالة إلى دوافع تدفع العمال نحو أعمال قاتلة.

 

وبعد مقتل نحو 80 شخصا في انهيار كردفان ثم سقوط 11 قتيلا وإصابة 30 في البحر الأحمر تتسع صورة قطاع يواصل إنتاج الذهب لكنه يعجز عن حماية من يستخرجونه.

 

وفي انتظار ما ستسفر عنه عمليات البحث تبقى الكارثة تذكيرا بأن استمرار التعدين خارج الرقابة لا يحصد الذهب وحده بل يحصد أرواح العمال الذين يغامرون بحياتهم من أجل دخل محدود.