أسفر عدوان الاحتلال صباح الاثنين عن استشهاد فلسطينيين بينهما طفلة في شمال قطاع غزة وجنوبه، لتبدأ ساعات جديدة من الدم الفلسطيني داخل مناطق يفترض أن تكون ملاذًا للنازحين لا ساحات مفتوحة للقتل.
وامتدت الاعتداءات إلى إصابة مدنيين وقصف مناطق وسط القطاع وجنوبه وملاحقة الصيادين في البحر، بالتزامن مع اقتحامات واعتقالات واسعة وإغلاقات للطرق في الخليل وطولكرم والقدس المحتلة.
طفلة بين ضحايا رصاص الاحتلال
ففي جنوب القطاع، استشهدت طفلة فلسطينية متأثرة بجروح أصيبت بها برصاص جيش الاحتلال في مواصي رفح، وهي منطقة مكتظة بالنازحين الذين اضطروا إلى مغادرة بيوتهم بحثًا عن مساحة أكثر أمانًا.
وبهذا الاستشهاد، تتجدد حقيقة أن النازحين لا يجدون حماية حقيقية حتى في المناطق التي لجؤوا إليها هربًا من القصف، إذ يبقى الموت قريبًا منهم في الخيام والطرقات ومحيط مراكز الإيواء.
كما استشهد فلسطيني آخر متأثرًا بجروح أصيب بها شمال قطاع غزة، في وقت تتراكم فيه إصابات كثيرة تحتاج إلى علاج عاجل وسط ضغط هائل على المرافق الصحية ونقص مستمر في الدواء والمستلزمات.
ولا تعني نجاة الجريح من لحظة إطلاق النار نهاية الخطر، إذ تتحول الإصابات في قطاع محاصر ومدمر إلى معركة طويلة مع النزيف والعدوى وتأخر العلاج وغياب القدرة على الوصول السريع للرعاية الطبية.
ثم أصيب عدد من الفلسطينيين في وسط القطاع وجنوبه جراء إطلاق النار والقصف، ومن بينهم سيدة وصفت إصابتها بالخطيرة، لتضاف إلى سلسلة يومية من الضحايا المدنيين الذين لا يملكون وسيلة حقيقية لحماية أنفسهم.
وبينما تتسع رقعة الاستهداف، تبدو حياة النساء والأطفال وكبار السن رهينة قرار عسكري إسرائيلي لا يراعي حرمة المأوى ولا كثافة النازحين ولا حق المدنيين في البقاء بعيدًا عن دائرة النيران.
وفي مواصي رفح، لا يمثل استشهاد الطفلة رقمًا جديدًا في سجل الضحايا فقط، بل يلخص مأساة جيل فلسطيني يدفع ثمن الحرب والتهجير وفقدان البيت والتعليم والأمان في آن واحد.
لكن ما يحدث لا ينفصل عن سياسة أوسع تجعل مناطق النزوح مؤقتة وهشة، فتظل العائلات محاصرة بين الخوف من القصف والخوف من الاقتراب من الطرق أو البحث عن ماء وغذاء وعلاج.
ومن ثم، تتحول الخيام إلى شواهد على عجز العالم عن توفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، بينما يواصل الاحتلال توسيع مساحة الخطر وتقليص أي فرصة متبقية للنجاة والاستقرار.
البحر تحت مطاردة الزوارق
وفي عرض بحر غزة، لاحقت الزوارق الحربية الإسرائيلية الصيادين وأطلقت النار بكثافة تجاههم، ما أجبرهم على مغادرة البحر وترك شباكهم ومراكبهم ومصدر رزقهم تحت تهديد السلاح.
كما تعني مطاردة الصيادين حرمان عائلات كثيرة من دخلها اليومي، في مجتمع يواجه أصلًا أزمات غذاء وفقر وندرة في فرص العمل، ويعتمد بعض سكانه على الصيد لتأمين قوتهم الأساسي.
ثم يتجاوز الأمر منع الصيد إلى فرض حصار اقتصادي مباشر، لأن إغلاق البحر أو تضييق مساحته يحرم الأسواق من الأسماك ويقيد حركة العاملين فيه ويعمق الأزمة المعيشية داخل القطاع المنهك.
وبالتوازي، تكشف ملاحقة القوارب عن امتداد السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى البر والبحر معًا، حيث لا يجد الفلسطيني مساحة آمنة يمارس فيها عمله أو يطعم أسرته دون خطر الرصاص والمطاردة.
وفي القطاع الساحلي الصغير، يصبح البحر منفذًا جغرافيًا مغلقًا بدل أن يكون مجالًا للحياة، بينما يضطر الصياد إلى الاختيار بين العودة بلا رزق أو المخاطرة بحياته أمام زوارق الاحتلال.
ومن ناحية أخرى، ينعكس هذا التضييق على آلاف الأسر المرتبطة بمهنة الصيد، من أصحاب القوارب والعاملين فيها إلى الباعة والناقلين، فتتسع الخسارة لتصيب دورة اقتصادية كاملة.
كذلك، يتزامن الاستهداف البحري مع القصف وإطلاق النار في مناطق النزوح، ليؤكد أن الفلسطيني في غزة لا يواجه اعتداءً منفصلًا بل نظامًا متكاملًا من الحصار والتجويع والقوة المسلحة.
أما الصيادون، فيبقون بين مطرقة الحاجة إلى العمل وسندان الزوارق المدججة بالسلاح، فيما تتحول لقمة العيش إلى مخاطرة يومية قد تنتهي بإصابة أو اعتقال أو فقدان القارب.
وبذلك، لا تقتصر الجريمة على إطلاق النار، بل تشمل سلب الناس قدرتهم على العمل والبقاء، وترك عائلاتهم في مواجهة الفقر المتصاعد دون بدائل حقيقية أو حماية من أي جهة.
الضفة تحت قبضة المداهمات
وفي الضفة الغربية، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات ومداهمات وإغلاق للطرق، لتوسّع دائرة القمع خارج غزة وتفرض واقعًا يوميًا من الحواجز العسكرية والخوف والانتظار القسري.
ثم اعتقلت القوات فلسطينيًا في الخليل بعد مداهمة منزله، ونصبت حواجز عسكرية عند مداخل المدينة وبلداتها وقراها ومخيماتها، وأغلقت طرقًا رئيسية وفرعية بالبوابات الحديدية والسواتر الترابية.
كما لا تبدو تلك الحواجز إجراءات عابرة، بل أدوات لعزل التجمعات الفلسطينية وتعطيل مصالح الناس، بما يشمل المرضى والطلاب والعمال والعائلات التي تحتاج إلى الانتقال بين المدن والقرى.
ومع كل إغلاق جديد، تتحول الرحلة القصيرة إلى اختبار قاسٍ، إذ يواجه الفلسطيني احتمال المنع أو التأخير أو الاحتجاز، بينما يفرض الجنود سيطرتهم على الطرق والحياة اليومية دون مساءلة.
لذلك، تعيش الخليل تحت ضغط متواصل لا يقتصر على الاعتقالات، بل يمتد إلى شل الحركة داخل المحافظة وإبقاء سكانها في حالة استنزاف دائم، اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا.
وفي طولكرم، اعتقلت قوات الاحتلال 5 فلسطينيين بينهم أسرى محررون عقب مداهمة منازلهم وتفتيشها، في استمرار لسياسة الملاحقة التي تجعل الإفراج من السجن محطة مؤقتة لا نهاية للمعاناة.
ومن هنا، تتضح خطورة استهداف الأسرى المحررين، إذ تسعى قوات الاحتلال إلى إبقائهم وعائلاتهم تحت التهديد المستمر، ومنعهم من استعادة حياتهم الطبيعية أو الشعور بأي استقرار بعد سنوات الاعتقال.
وبين الاقتحامات في طولكرم ومداهمة قرية برقة شمال غرب نابلس، تتكرر مشاهد الجنود داخل البيوت والاعتداء على سكانها، في انتهاك صارخ لحرمة المنازل وللأمان الذي يفترض ألا تنتهكه.
لهذا، لا يمكن قراءة استشهاد الطفلة في غزة بعيدًا عن اعتقالات الضفة وإغلاقات الخليل وحصار البحر، فكلها وجوه لسياسة واحدة تستهدف الفلسطيني في جسده وبيته ورزقه وحركته وحقه في الحياة.

