أعلنت وزارة الكهرباء في القاهرة تطبيق أسعار جديدة للكهرباء شملت الشرائح المنزلية والخدمات العامة والعدادات الكودية ومترو الأنفاق ومرافق المياه والري، ما أدى إلى تصاعد مخاوف المواطنين من موجة غلاء جديدة تضرب مختلف القطاعات، في وقت يعاني فيه ملايين المصريين من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متسارعة منذ بداية العام الجاري.
وكشفت القرارات الأخيرة حجم الضغوط التي باتت تتحملها الأسر المصرية مع استمرار الحكومة في تحميل المواطنين أعباء ما تسميه “إصلاحات اقتصادية”، بينما تتسع دائرة الغلاء لتشمل الغذاء والنقل والخدمات الأساسية، وسط انتقادات متزايدة لسياسات رفع الدعم التي دفعت قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل إلى مواجهة أوضاع معيشية أكثر قسوة خلال الأشهر الأخيرة.
رفع أسعار الكهرباء يوسع دائرة الغلاء اليومي
أبقت وزارة الكهرباء على التعريفة الحالية لبعض الشرائح المنزلية الأساسية، لكنها غيرت طريقة احتساب الاستهلاك المرتفع، بعدما قررت محاسبة أي شريحة تتجاوز استهلاك ألف كيلووات بسعر موحد يبلغ 258 قرشًا للكيلووات بالكامل، ما يعني فعليًا إلغاء الاستفادة من النظام التدريجي السابق وتحميل المشترك كامل الزيادة دفعة واحدة.
كما أضاف جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بندًا جديدًا يتعلق بالعدادات الكودية، إذ حدد سعرًا موحدًا للكهرباء يبلغ 274 قرشًا للكيلووات، وهو القرار الذي أثار غضب عدد كبير من السكان، خاصة في المناطق الشعبية والعقارات التي لم تستكمل إجراءات التقنين رغم إقامة كثير من الأسر بها منذ سنوات طويلة.
وفي السياق ذاته بدأت وزارة الكهرباء مراجعة ملفات العدادات الكودية وفحص أوضاع العقارات المرتبطة بها، في خطوة تقول الحكومة إنها تستهدف “تنقية المنظومة”، بينما يخشى مواطنون من تحميلهم أعباء إضافية بسبب أخطاء إدارية أو تأخر إجراءات التقنين التي تتحملها الجهات الحكومية نفسها.
ويرى الكاتب الاقتصادي ممدوح الولي أن الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء تمثل حلقة إضافية ضمن سلسلة من القرارات التي أدت إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متلاحقة، موضحًا أن الحكومة تواصل نقل أعباء العجز المالي إلى المواطنين بدلًا من معالجة الاختلالات الهيكلية داخل الاقتصاد المصري.
وأضاف الولي أن أي زيادة في تكلفة الطاقة تنعكس بصورة مباشرة على أسعار النقل والإنتاج والخدمات، لأن الكهرباء أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشغيل معظم الأنشطة الاقتصادية، ما يعني أن آثار القرار لن تتوقف عند حدود فاتورة المنازل فقط بل ستصل إلى الأسواق والسلع اليومية.
كذلك أكد الولي أن السياسات الحالية ساهمت في تسارع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تكرار رفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات، بينما بقيت الأجور والدخول عاجزة عن ملاحقة الارتفاع المستمر في الأسعار، وهو ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية لمعظم الأسر المصرية.
المترو والمياه والري تحت ضغط التعريفة الجديدة
رفعت الحكومة أيضًا تعريفة الكهرباء الخاصة بمترو الأنفاق بنسبة تجاوزت 70%، إلى جانب زيادات ملحوظة في أسعار الكهرباء المستخدمة بمرافق المياه والري، وهو ما يفتح الباب أمام زيادات جديدة متوقعة في أسعار الخدمات الأساسية خلال الفترة المقبلة.
وبسبب هذه الزيادات يتوقع مراقبون أن تواجه الجهات المشغلة لضغوط مالية أكبر تدفعها لاحقًا إلى رفع أسعار التذاكر ورسوم الخدمات المختلفة، خاصة مع ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة والطاقة، وهو ما يعني انتقال أعباء القرار بصورة غير مباشرة إلى المواطن مرة أخرى.
وأوضح الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن رفع أسعار الكهرباء الخاصة بالمرافق العامة لا يمكن عزله عن موجات التضخم اللاحقة، لأن تكلفة تشغيل المياه والنقل والزراعة تدخل بصورة مباشرة في أسعار الغذاء والخدمات التي يتحملها المستهلك النهائي داخل السوق المصرية.
وأشار النحاس إلى أن ارتفاع أسعار كهرباء الري يمثل عبئًا إضافيًا على المزارعين الذين يعتمدون بصورة كبيرة على ماكينات الري الكهربائية، موضحًا أن زيادة تكاليف الزراعة ستنعكس سريعًا على أسعار الخضروات والفاكهة والمحاصيل الغذائية داخل الأسواق المحلية.
وأضاف النحاس أن الفئات الأكثر تضررًا من هذه القرارات هي الأسر محدودة الدخل التي تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والخدمات الأساسية، مؤكدًا أن استمرار رفع أسعار الطاقة دون توسيع فعلي لشبكات الحماية الاجتماعية يفاقم من الضغوط المعيشية بصورة خطيرة.
في المقابل يرى اقتصاديون أن الحكومة تتعامل مع ملف الكهرباء باعتباره وسيلة لتقليص فاتورة الدعم وتحسين الإيرادات، بينما تتجاهل التأثيرات الاجتماعية الواسعة لهذه القرارات، خاصة مع تراجع الدخول الحقيقية وارتفاع معدلات الفقر خلال السنوات الأخيرة.
وعلى الجانب الآخر بدأت شكاوى المواطنين تتزايد من ارتفاع قيمة الفواتير بصورة تفوق قدرتهم على السداد، خصوصًا في المناطق الشعبية التي تعتمد على العدادات الكودية، حيث يؤكد كثير من السكان أنهم يدفعون أسعارًا مرتفعة رغم إقامتهم داخل وحدات سكنية قانونية.
خبراء يربطون الأزمة بالسياسات الاقتصادية وتراجع العدالة الاجتماعية
اعتبرت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد أن استمرار رفع أسعار الخدمات الأساسية دون تحسين الدخول يؤدي إلى اختلال واضح في العلاقة بين الأسعار والقدرة الشرائية، مؤكدة أن المواطن أصبح يتحمل أعباء متزايدة في وقت لا تشهد فيه الرواتب زيادات حقيقية تتناسب مع التضخم.
وأضافت المهدي أن الكهرباء لم تعد خدمة منفصلة عن باقي عناصر الاقتصاد، بل أصبحت تكلفة محورية تؤثر على الصناعة والنقل والزراعة والخدمات، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة سببًا مباشرًا في ارتفاع أسعار قطاعات واسعة داخل السوق المصرية.
بدوره ربط الكاتب الصحفي ناصر سلامة بين الزيادات الحالية والسياسات الاقتصادية التي اعتمدت بصورة كبيرة على الجباية ورفع الرسوم والخدمات، معتبرًا أن الحكومة نقلت العبء المالي بالكامل تقريبًا إلى المواطنين خلال السنوات الماضية دون بناء حماية اجتماعية كافية.
وأوضح سلامة أن الطبقة الوسطى تعرضت لتآكل واسع بسبب استمرار موجات الغلاء، بينما فقدت الأسر الفقيرة جزءًا كبيرًا من قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية، مشيرًا إلى أن الكهرباء تحولت من خدمة عامة إلى عبء شهري متزايد يهدد استقرار ملايين الأسر.
من جانبه قال الدكتور مراد علي إن تكرار زيادات أسعار الطاقة يعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد وتوزيع الأعباء، موضحًا أن السياسات الحالية تركز على معالجة العجز المالي السريع دون النظر إلى التأثيرات الاجتماعية طويلة المدى على المواطنين.
وأشار مراد علي إلى أن استمرار تحميل المواطنين تكاليف الإصلاح الاقتصادي يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، خاصة مع تراجع الخدمات وارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل، بينما تستمر الحكومة في فرض زيادات جديدة على الخدمات الأساسية بصورة متتابعة.
وفي الوقت نفسه تتصاعد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الكهرباء إلى موجة تضخم إضافية خلال الأشهر المقبلة، لأن أغلب الأنشطة التجارية والصناعية ستقوم بنقل الزيادة إلى المستهلك النهائي عبر رفع أسعار المنتجات والخدمات المختلفة.
كما تتزايد الانتقادات داخل الأوساط الاقتصادية بسبب غياب رؤية واضحة لحماية الفئات الأكثر تضررًا من الغلاء، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات، وهو ما يدفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى تقليص استهلاكها بصورة غير مسبوقة.
وفي ظل هذه التطورات تواجه الأسر المصرية واقعًا أكثر قسوة مع كل زيادة جديدة في أسعار الخدمات الأساسية، بينما تبدو الحكومة ماضية في سياسة رفع الدعم وتقليص الإنفاق الاجتماعي رغم التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الضغوط الاقتصادية على المواطنين.
وتكشف أزمة الكهرباء الحالية حجم الفجوة المتزايدة بين السياسات الاقتصادية الحكومية واحتياجات الشارع المصري، بعدما تحولت فواتير الطاقة والمرافق إلى عبء يومي يهدد قدرة ملايين الأسر على توفير أبسط متطلبات الحياة، في وقت تتسع فيه دائرة الغلاء لتشمل كل تفاصيل المعيشة تقريبًا.

