كشف ارتفاع أسعار البطيخ في الأسواق المصرية عن أزمة أوسع من مجرد صعود موسمي في ثمن محصول صيفي إذ بدا واضحًا أن ما يدفعه المستهلك اليوم ليس فقط ثمن الثمرة نفسها بل ثمن سياسات زراعية مرتبكة رفعت كلفة الزراعة وخفضت المعروض وتركت السوق نهبًا للفوضى من الحقل حتى طاولة البيع.

 

حين ارتفعت التكاليف انكمشت المساحات

 

أوضح الواقع الحالي أن وصول البطيخة التي تزن نحو سبعة كيلوجرامات إلى قرابة مئتي جنيه لم يكن مفاجأة كاملة لأن السوق دخل الموسم بمعروض محدود قادم من أسوان والزراعات المبكرة تحت الأنفاق البلاستيكية وهي زراعات أعلى كلفة وأكثر حساسية لتقلبات الطقس ولذلك انعكس ضعف الكميات سريعًا على الأسعار في المدن والمحال.

 

ولفت حسين عبدالرحمن أبو صدام نقيب عام الفلاحين إلى أن القفزة الراهنة ترتبط مباشرة بارتفاع أسعار التقاوي والأسمدة والمبيدات منذ بداية الموسم وهو ما دفع كثيرًا من المزارعين إلى تقليص المساحات المنزرعة أو الإحجام عن المغامرة بمحصول يحتاج إلى إنفاق مرتفع قبل الحصاد وبذلك انتقل العبء من المزرعة إلى المستهلك بلا أي حماية.

 

وفي ظل هذا المشهد لم يعد السؤال لماذا ارتفع البطيخ بل لماذا تُركت مستلزمات الإنتاج تقفز بهذه الصورة من دون ضبط فعلي أو تدخل يضمن للمزارع قدرة معقولة على الزراعة لأن الدولة حين تترك مدخلات الزراعة تتحرك وفق السوق وحده فإنها تمهد بنفسها لنقص المعروض ثم تعود لتتفرج على الغلاء وكأنه قدر لا يُقاوم.

 

من الحقل إلى السوق سلسلة خلل لا تنتهي

 

ويبين الدكتور نادر نور الدين أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة أن ارتفاع أسعار الأسمدة أو نقص توافرها يخفض إنتاجية المحاصيل بصورة حادة وهي ملاحظة تفسر جانبًا أساسيًا من أزمة البطيخ لأن المزارع حين يعجز عن توفير الجرعات الكاملة من السماد والمكافحة فإنه لا يخسر جزءًا من الجودة فقط بل يخسر جزءًا من حجم الإنتاج نفسه.

 

وأكدت حركة السوق أن المشكلة لا تقف عند حدود الزراعة لأن قلة المعروض فتحت المجال أيضًا أمام حلقات تداول تربح من الندرة أكثر مما تربح من الكفاءة فكل وسيط يضيف هامشًا جديدًا على سلعة دخلت أصلًا السوق بكميات محدودة وبكلفة مرتفعة وهو ما يحول الفارق بين سعر الحقل وسعر المستهلك إلى مساحة مفتوحة للفوضى.

 

وفي موازاة ذلك زادت التغيرات المناخية وعدم استقرار الأحوال الجوية من هشاشة الموسم إذ واجهت الزراعات المبكرة ظروفًا أكثر قسوة في مراحل حساسة من النمو ومع غياب شبكة فعالة للإرشاد والدعم والتأمين الزراعي بقي المزارع وحده في مواجهة المخاطر بينما تحمل المستهلك في النهاية فاتورة هذا الارتباك الممتد من بداية الزراعة حتى لحظة العرض.

 

البطيخ الأصفر والأحمر بين القيمة الغذائية ومنطق الندرة

 

وأشار الحديث الدائر عن البطيخ الأحمر والأصفر إلى مفارقة تكشف طريقة تشكل الأسعار في السوق المصري فالقيمة الغذائية لكل نوع لا تفسر وحدها فرق الثمن لأن العامل الحاسم يبقى هو حجم المساحات المنزرعة وتكلفة إنتاجها ولذلك بدا البطيخ الأصفر أعلى سعرًا بحكم ندرته لا بحكم كونه سلعة مختلفة جذريًا في المنفعة.

 

ويرى الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي أن أي سوق زراعي يفقد توازنه عندما تتراجع الإنتاجية ولا تُدار الموارد بكفاءة وهو ما ينطبق على حالة البطيخ الحالية لأن أزمة المحصول لا تعني فقط نقصًا في المساحة بل تعني أيضًا عجزًا عن تعظيم الناتج من الفدان تحت ضغط مدخلات مرتفعة وتقنيات إنتاج غير كافية.

 

وفي ظل المساحات المحدودة للبطيخ الأصفر مقارنة بالمساحات الواسعة نسبيًا للبطيخ الأحمر بدا طبيعيًا أن تتحول الندرة إلى أداة تسعير قاسية لكن غير الطبيعي هو أن يبقى المستهلك المصري أسيرًا لهذه المعادلة كل موسم بلا سياسة واضحة لزيادة الإنتاج المنظم أو خفض التكلفة أو تقليص حلقات الوساطة التي تبتلع السعر النهائي.

 

النتيجة على المائدة والشارع لا تحتاج تبريرًا رسميًا

 

وأكدت ردود الفعل في الشارع أن البطيخ خرج هذا الموسم من خانة الفاكهة الشعبية إلى خانة السلعة الثقيلة على ميزانية الأسر وهو تحول له دلالة سياسية واقتصادية معًا لأن ارتفاع سعر سلعة ارتبطت تاريخيًا بالصيف المصري يكشف مقدار التآكل الذي أصاب القدرة الشرائية ويكشف أيضًا عجز الإدارة الاقتصادية عن حماية أبسط احتياجات الناس.

 

كما يرى كثير من المتابعين أن التعويل على زيادة المعروض خلال يونيو المقبل قد يخفف السعر نسبيًا لكنه لا يمحو أصل الأزمة لأن المشكلة الحقيقية ليست في أسبوع غال أو شهر مضطرب بل في بنية زراعية تُدار برد الفعل لا بالتخطيط وتتحرك فيها الأسعار أسرع من أي رقابة بينما يبقى الفلاح مهددًا والمستهلك محاصرًا.

 

وأخيرا اختتم المشهد رسالة قاسية لا يجوز تجاهلها وهي أن أزمة البطيخ ليست أزمة ثمرة بل أزمة إدارة كاملة لملف الزراعة من التقاوي إلى التوزيع فإذا استمرت الدولة في ترك الفلاح تحت رحمة الكلفة وترك السوق تحت رحمة الوسطاء فلن يكون ارتفاع البطيخ حادثًا عابرًا بل سيكون نموذجًا متكررًا لبلد صار فيه الطعام نفسه ميدانًا للفشل اليومي.