بدأت الحكومة تسويق المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل بوصفها خطوة جديدة نحو العدالة الصحية، بعد إعلانها تخصيص أكثر من ١١٥ مليار جنيه لخمس محافظات، مع رصد ٣.٣ مليار جنيه لتعجيل ضم المنيا وبدء التشغيل التجريبي فيها خلال أبريل ٢٠٢٦. لكن الرقم الضخم لا يكفي وحده لإقناع المواطن، لأن السؤال الحقيقي لم يعد عن حجم الإنفاق، بل عن مصير الخدمة على الأرض.
أوضح هذا الإعلان منذ لحظته الأولى أن الدولة لا تتعامل مع توسع محدود، بل مع اختبار سياسي وإداري كامل في محافظات تعاني أصلًا من ضغط سكاني واحتياج صحي واسع. فحين تتحدث الحكومة عن أكثر من ١٢ مليون مواطن مستهدفين، فإنها ترفع سقف التوقعات دفعة واحدة، وتصبح مطالبة بإثبات أن ما يقال في البيانات يمكن أن يتحول إلى علاج فعلي داخل المستشفيات والوحدات.
تكلفة هائلة واختبار لا يحتمل التجميل
لفت حجم التمويل المعلن الانتباه إلى أن المرحلة الثانية تشمل المنيا ومطروح ودمياط وكفر الشيخ وشمال سيناء، مع حديث جار عن دراسة ضم الإسكندرية لاحقًا. وهذه الخريطة لا تعني مجرد إضافة أسماء على الورق، بل تعني دخول مناطق متفاوتة في الجاهزية والإمكانات، وهو ما يجعل أي خلل في التنفيذ أخطر من أن يغطى عليه خطاب رسمي مرتب أو حملة دعائية واسعة.
ويبين توزيع المستشفيات المستهدفة داخل المرحلة الثانية حجم العبء الذي تتحدث عنه الدولة، إذ تشمل الخطة ٧٠ مستشفى، منها ٢٦ في المنيا وحدها. وهذا الرقم يفسر لماذا تبدو المحافظة قلب المرحلة كلها لا مجرد محافظة ضمنها. فإذا تعثر تجهيز المنيا أو تأخر تشغيلها، فلن يسقط جزء من الخطة فقط، بل سيتعثر معها المعنى السياسي الكامل الذي بنت عليه الحكومة هذا الإعلان.
وأكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس هيئة الرعاية الصحية، أن المرحلة الثانية تمثل نقلة نوعية وأن التمويل متوافر وأن الدولة تسير وفق جدول واضح. لكن هذا الخطاب الرسمي، مهما بدا واثقًا، لا يبدد القلق القائم حول الفجوة بين الإعلان والتنفيذ. فالتجارب السابقة علمت الناس أن الوعود الكبيرة كثيرًا ما تصطدم لاحقًا بنقص الكوادر أو بطء التشغيل أو ارتباك الإدارة في أول اختبار حقيقي.
من حصاد المرحلة الأولى إلى عبء المرحلة الثانية
أشار العرض الحكومي إلى أن المرحلة الأولى شملت ست محافظات، وسجلت أكثر من ٦ ملايين مواطن، واستفاد من خدماتها نحو ٥.٢ ملايين، بإجمالي تكلفة تجاوزت ٥٣ مليار جنيه. كما تحدثت الدولة عن أكثر من ١٠٥ ملايين خدمة طبية وعلاجية ونسبة رضا تجاوزت ٨٦ في المئة. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تعفي الحكومة من شرح الفجوة بين النجاح المعلن والواقع الذي يلمسه المواطن يوميًا.
وفي هذا السياق ترى الدكتورة نعيمة القصير، ممثلة منظمة الصحة العالمية في مصر، أن التجربة المصرية طموحة وكبيرة، لكنها ترتبط بتحديات واضحة في العدالة والوصول وجودة الخدمة واستدامة التمويل. وهذا التقدير مهم لأنه يضع المشروع في حجمه الحقيقي، فلا هو فشل كامل كما يحب خصومه أن يقولوا، ولا هو نجاح محسوم كما تحاول السلطة أن تروجه قبل اكتمال شروطه الأساسية.
ويؤكد هذا التقدير أن الانتقال من ست محافظات إلى خمس جديدة ليس مجرد خطوة تلقائية، لأن التوسع في التأمين الصحي لا يقاس بعدد المسجلين فقط، بل بقدرة النظام على تحمل الزيادة من دون انهيار الجودة أو زيادة زمن الانتظار أو اتساع العجز في الدواء والخدمة. ومن هنا تبدو المرحلة الثانية لحظة مراجعة قاسية لا تسمح للحكومة بالاكتفاء بعرض الأرقام كأنها إنجاز نهائي.
الميكنة والتمويل بين الوعود والواقع
وفي موازاة التوسع الجغرافي، تحدثت الدولة عن تقدم كبير في ميكنة الخدمات، من خلال ملايين الوصفات الإلكترونية وتسجيل السجلات الصحية وإطلاق منصة رقمية لحجز العيادات خلال فبراير ٢٠٢٥. لكن التحول الرقمي لا يصبح إنجازًا بمجرد تشغيل المنصات، لأن المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الأدوات تقلل الزحام وتمنع إهدار الوقت وتغلق أبواب العشوائية داخل المنشآت الصحية أم تضيف طبقة جديدة من التعقيد.
ويرى الدكتور إيهاب أبو عيش، نائب رئيس هيئة التأمين الصحي الشامل، أن استدامة المنظومة تعتمد على التمويل التضامني وحسن الإدارة وتوسيع التعاقدات ورفع الكفاءة. غير أن هذا الكلام الفني يكشف في الوقت نفسه جوهر المأزق، لأن بقاء المشروع نفسه مرهون بالقدرة على تمويله بصورة مستقرة. فكل محافظة جديدة تدخل المنظومة تعني التزامًا ماليًا دائمًا، لا موجة احتفال تنتهي بانتهاء المناسبة.
وأشار الدكتور أحمد محمد صيام، مدير وحدة اقتصاديات الصحة ودراسات النظم الصحية بالهيئة، إلى أهمية تسعير الخدمات وتقييم التكنولوجيا الصحية وضبط حزم المنافع حتى لا يتحول التوسع إلى عبء غير قابل للسيطرة. وهذه النقطة شديدة الحساسية، لأنها تعني ببساطة أن المعركة لم تعد فقط حول من يدخل المنظومة، بل حول ما الذي سيحصل عليه فعلًا عندما يدخلها، وبأي مستوى من الكفاءة والاستمرار.
المواطن لا يقرأ الإنفوجراف بل يحاكم الخدمة
وفي ظل هذا المشهد كله، لا يبدو المواطن مشغولًا بالرقم المعلن بقدر انشغاله بالسؤال الأبسط والأقسى، وهو هل سيجد طبيبًا متاحًا وسريرًا ودواءً وخدمة سريعة تحترم آدميته. فالدولة تستطيع نشر عشرات الإنفوجرافات عن العدالة الصحية، لكنها لن تستطيع إقناع الناس إذا اصطدمت المنظومة عند أول ضغط حقيقي بنقص الأطباء أو تعطل الإحالات أو ارتباك الإدارة داخل المستشفى.
وأخيرًا تكشف المرحلة الثانية أن السلطة انتقلت من مساحة الترويج إلى مساحة الحساب، لأن ١١٥ مليار جنيه لم تعد رقمًا يمكن تمريره في عنوان لامع ثم تجاوزه. فإذا نجحت الحكومة في تحويل هذا التمويل إلى خدمة منضبطة وعادلة، سيكون ذلك تحولًا مهمًا في ملف الصحة. أما إذا بقيت الأرقام أكبر من الخدمة، فسيصبح التأمين الشامل عنوانًا آخر لفجوة قديمة بين ما تعلنه الدولة وما يعيشه المواطن.

