تراجع أسعار الدواجن في السوق المصرية خلال الأيام الأخيرة لم ينهِ القلق داخل القطاع، لأن المنتجين والتجار يتعاملون مع هذا الانخفاض بوصفه حركة مؤقتة لا تعكس تحولًا مستقرًا في تكاليف الإنتاج.
ويأتي ذلك بينما يواجه المستهلك المصري ضغوطًا معيشية متصاعدة بعد زيادات متلاحقة في أسعار الغذاء والخدمات، وهو ما يجعل أي ارتداد جديد في سعر الدواجن عبئًا مباشرًا على الأسر التي تعتمد عليها بوصفها مصدرًا رئيسيًا للبروتين.
تراجع قائم على وفرة مؤقتة لا على انفراج في السوق
وفي هذا السياق أكد عاملون في قطاع الدواجن أن التراجع الحالي لا يرتبط بانخفاض جوهري في عناصر التكلفة، بل يرتبط أساسًا بتراجع نسبي في الطلب وبزيادة مطروحة في المعروض خلال فترة قصيرة. وتدعم هذه الصورة تصريحات حديثة من داخل القطاع تشير إلى أن الأسعار هبطت سريعًا بعد زيادة المعروض، لا بعد تراجع حقيقي في أعباء التربية والإنتاج.
كما قال الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، في تصريحات منشورة يوم 25 مارس 2026، إن سعر الكيلو في المزرعة تراجع إلى 78 جنيهًا بعد أن كان بين 100 و105 جنيهات، وأرجع هذا الانخفاض إلى وفرة المعروض. لكن الزيني نفسه كان قد قال في يناير 2026 إن خسائر المربين المتراكمة تهدد استمرار عدد منهم في السوق.
لذلك يرى مربون أن انخفاض السعر الحالي لا يكفي وحده للاطمئنان، لأن السوق سبق أن شهد هبوطًا مؤقتًا تبعته قفزات حادة عندما عادت كلفة التربية إلى الظهور في السعر النهائي. وهذه النقطة تفسر استمرار التحذيرات من تجاوز سعر الكيلو حاجز 100 جنيه مجددًا إذا تبدلت معادلة العرض والطلب في أي وقت قريب.
ثم إن هذا التراجع يأتي في وقت ما تزال فيه المزارع تتحمل تكاليف مرتفعة مرتبطة بالعلف والكتاكيت والرعاية والنقل، وهو ما يجعل السعر المنخفض عبئًا على المنتج بدل أن يكون مؤشرًا على التعافي. وعندما يبيع المربي أقل من التكلفة لأسابيع أو أشهر، فإن النتيجة المتوقعة تكون تقليص الدورات الإنتاجية أو الخروج من السوق.
الأعلاف وسعر الصرف والنقل تكتب الاتجاه المقبل للأسعار
ومع الانتقال إلى عناصر التكلفة، تظل الأعلاف العامل الأكثر تأثيرًا في صناعة الدواجن، لأن المزارع المصرية تعتمد بدرجة كبيرة على الذرة والصويا المستوردين في تكوين العلف. وتظهر البيانات المنشورة عن واردات الذرة وفول الصويا استمرار اعتماد السوق المحلية على الخارج، بما يجعل القطاع حساسًا لأي تغير في الأسعار العالمية أو في تكلفة العملة الأجنبية.
كما أكد الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، في تصريحات منشورة خلال مارس 2026، أن ارتفاع سعر الدولار والزيادات الأخيرة في أسعار البنزين يمثلان عاملين مباشرين في رفع تكلفة الإنتاج. وأوضح أن أي زيادة في مدخلات الإنتاج تنتقل تلقائيًا إلى السعر النهائي، وهو ما يفسر سرعة تأثر السوق حتى عندما يتراجع الطلب مؤقتًا.
وبحسب هذا المسار فإن تكلفة النقل والطاقة لا تأتي كعبء ثانوي، لأن نقل الأعلاف والكتاكيت والدواجن الحية والمنتجات النهائية يرفع الكلفة في كل مرحلة من مراحل التداول. وعندما ترتفع أسعار الوقود، فإن المنتج لا يملك مساحة واسعة لامتصاص الزيادة، خاصة إذا كان أصلًا يبيع قرب التكلفة أو دونها منذ شهور.
وفي النتيجة يدفع بعض المنتجين إلى تقليص الكميات أو تأجيل دورات جديدة، بينما يضطر آخرون إلى الخروج الكامل من النشاط إذا استمرت الخسائر. وهذا التطور لا يظهر فورًا على الرفوف، لكنه ينعكس لاحقًا في صورة نقص معروض وعودة الارتفاعات بسرعة، وهي الآلية نفسها التي يخشى منها العاملون في السوق خلال الفترة المقبلة.
غلاء السلع يطوق الأسر وأي زيادة جديدة في الدواجن ستصيب الاستهلاك مباشرة
وفي هذا الإطار لا تنفصل مخاوف الدواجن عن موجة الغلاء الأوسع التي ضربت السوق المصرية خلال الشهور الأخيرة، إذ أظهر بيان التضخم الصادر في 10 مارس 2026 أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن وصل إلى 13.4 بالمئة في فبراير 2026، بعد أن كان 11.9 بالمئة في يناير من العام نفسه.
كما تعني هذه الأرقام أن أسعار الغذاء والخدمات لم تعد تتحرك في نطاق محدود، بل صارت تضغط على دخل الأسرة في أكثر من بند في الوقت نفسه. وعندما ترتفع تكاليف الخبز غير المدعم والزيوت والسكر واللحوم والنقل معًا، فإن أي زيادة جديدة في الدواجن لا تُستقبل كزيادة منفصلة، بل كحلقة إضافية في سلسلة استنزاف يومي للقدرة الشرائية.
لذلك قال الخبير الاقتصادي بلال شعيب في تصريحات منشورة يوم 15 مارس 2026 إن زيادة أسعار البنزين مرشحة لرفع أسعار السلع الغذائية بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة نتيجة زيادة تكاليف النقل والإنتاج. وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا لأن الدواجن سلعة سريعة التأثر بأي زيادة في المدخلات أو في حلقات التوزيع.
وأمام ذلك يجد المواطن نفسه بين سعر يتراجع مؤقتًا ولا يطمئن، وبين قدرة شرائية تتآكل مع كل موجة جديدة من الغلاء. وعندما ترتفع أسعار الدواجن يضطر كثير من الأسر إلى خفض الاستهلاك أو تقليل عدد مرات الشراء أو الاتجاه إلى بدائل أقل كلفة، وهو ما يغير نمط الغذاء اليومي تحت ضغط الجيب لا تحت اختيار حر.
لهذا فإن التراجع الحالي لا يمكن قراءته باعتباره انفراجًا حقيقيًا ما دامت الأعلاف مرتفعة، وما دام النقل والطاقة يضيفان أعباء جديدة، وما دامت المزارع تبيع في أحيان كثيرة تحت ضغط الخسارة. وتبعًا لذلك يبقى خطر الارتداد قائمًا، وتبقى الدواجن مرشحة لأن تعود سريعًا إلى مستويات أشد قسوة على السوق وعلى ملايين الأسر المصرية.

