بدأت إدارة دونالد ترامب تدرك متأخرة أن الحرب التي دفعت إليها ضد إيران لم تعد مجرد استعراض قوة يمكن ضبطه ببيانات البيت الأبيض، بل تحولت إلى أزمة مفتوحة تهدد بابتلاع ما تبقى من قدرة الرئيس الأمريكي على الادعاء بأنه يمسك بزمام الشرق الأوسط. ومن هنا لم يعد السؤال كيف ينتصر ترامب، بل كيف يهرب من الورطة التي صنعها بقراره السياسي والعسكري.

 

مهلة مرتبكة تكشف فشل الحسابات الأولى

 

أوضح سلوك ترامب خلال الأسابيع الأخيرة أن الرجل الذي لوّح بالحسم السريع عاد يتحدث بلغة مختلفة تماما، إذ بدأ يسرّب عبر مساعديه أنه لا يريد حربا أبدية، بعدما اكتشف أن الحرب التي سهّل إشعالها ليست مضمونة النهاية ولا مضمونة الكلفة. وهذا التحول لا يعكس حكمة متأخرة بقدر ما يكشف فشلا مبكرا في تقدير حجم الرد الإيراني واتساع الميدان.

 

لفت هذا التراجع الانتباه إلى أن البيت الأبيض انتقل من خطاب الانتصار إلى خطاب إدارة الخسائر، وهو انتقال سياسي واضح لا يمكن تغطيته بكلام فضفاض عن الأهداف الاستراتيجية. فحين يحدد ترامب مهلة من أربعة إلى ستة أسابيع للعمليات، ثم يبدو هذا السقف نفسه قابلا للاهتزاز، فإن ذلك يعني أن القرار اتخذ أولا، بينما تُركت النهاية للارتجال والمقامرة.

 

وفي ظل هذا الارتباك، يبرز رأي جوناثان بانيكوف، النائب السابق لمسؤول المخابرات الوطنية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، حين يقول إن جزءا من الأزمة يكمن في غياب تعريف واضح لما تعتبره واشنطن نتيجة مرضية. وهذا التوصيف يضع إصبعه على أصل المأزق، لأن الإدارة خاضت حربا كبيرة من دون أن تشرح للناس ما الذي سيجعلها تقول فعلا إن الحرب انتهت.

 

وأكد هذا المسار أن ترامب لا يتحرك الآن من موقع المنتصر الذي يفرض شروطه، بل من موقع رئيس يخشى أن يتحول قراره العسكري إلى عبء يومي على رئاسته. فكل يوم إضافي من القتال لا يضيف فقط مزيدا من التوتر الإقليمي، بل يخصم مباشرة من صورته الداخلية، خصوصا بعدما باع للناخب الأمريكي وعودا متكررة بأنه لن يورط بلاده في مستنقعات جديدة.

 

التصعيد العسكري يضاعف الكلفة ولا يضمن الحسم

 

ويبين التوسع العسكري الأمريكي في المنطقة أن الإدارة اختارت الهروب إلى الأمام بدل الاعتراف بفشل الفرضيات الأولى. فإرسال آلاف الجنود الإضافيين، والتلويح بضربات أوسع، والحديث عن خيارات قد تمتد إلى ما هو أبعد من الضربات الجوية، كلها خطوات لا تقول إن واشنطن تسيطر على المشهد، بل تقول إنها تحاول تعويض العجز السياسي بمزيد من الضغط العسكري.

 

وأشار هذا التصعيد إلى تناقض صارخ في خطاب ترامب نفسه، فهو يقول إنه يريد تجنب حرب طويلة، لكنه يواصل بناء الشروط العملية لحرب أطول وأعقد. وهذه ليست مفارقة لغوية عابرة، بل خلل سياسي كامل، لأن الرئيس الأمريكي يحاول الجمع بين صورتين متناقضتين، صورة القائد الحاسم وصورة الرجل الذي يريد الخروج السريع من النار التي أشعلها.

 

وفي موازاة ذلك، يفسر فالي نصر، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جونز هوبكنز، المشهد بالقول إن إيران تلعب على النفس الطويل أكثر مما توقعته واشنطن. وهذه القراءة تفضح عجز الرهان الأمريكي منذ البداية، لأن إدارة ترامب تصرفت كأن خصمها سيتلقى الضربات ثم يندفع إلى التفاوض بشروط أمريكية، بينما جاء الرد الإيراني ليؤكد أن الاستنزاف جزء من المعركة لا نتيجة جانبية لها.

 

ويرى أي مراقب جاد أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اتساع الضربات، بل في اتساع آثارها الاقتصادية والأمنية خارج ساحة المواجهة المباشرة. فعندما تتعطل شحنات النفط والغاز، وتتعرض دول المنطقة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، فإن الحرب تتجاوز حدود الخطاب العسكري وتتحول إلى أزمة طاقة وتجارية وأمنية، بما يضع الإدارة الأمريكية أمام فشل متعدد الوجوه.

 

التفاوض المطروح ليس مخرجا مشرّفا بل اعترافا بالعجز

 

وأشارت المبادرات الدبلوماسية التي دفعت بها إدارة ترامب، ومنها اقتراح السلام ذي النقاط الخمس عشرة عبر وسطاء، إلى أن البيت الأبيض يبحث عن مخرج سياسي قبل أن يبحث عن نصر حقيقي. فلو كانت الحملة قد حققت أهدافها فعلا، لما احتاجت واشنطن إلى هذا الإلحاح التفاوضي تحت النار. ومن هنا يبدو عرض التفاوض محاولة لوقف التدهور أكثر مما يبدو مشروعا لتسوية مستقرة.

 

وفي ظل هذا السياق، تكتسب ملاحظات إيلي جيرانمايه، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وزنا خاصا حين ترى أن هذه الحرب بلا رابحين وأن كلفتها تتصاعد أسرع من فرص حسمها. وهذا التقدير لا يهاجم فقط استمرار القتال، بل يهدم الرواية الأمريكية التي حاولت تصوير الحرب كوسيلة سريعة لإعادة ترتيب التوازن في المنطقة.

 

وأكدت الوقائع السياسية أن ترامب وقع في المأزق الذي طالما ادعى أنه أذكى من الوقوع فيه. فهو لا يستطيع الآن قبول اتفاق ناقص من دون أن يبدو كمن تراجع بعد التهديد والوعيد، ولا يستطيع الذهاب إلى تصعيد مفتوح من دون أن يغامر بإغراق رئاسته في حرب استنزاف. وبين هذين الحدين، يتكشف ضعف القرار الأول الذي فتح باب الحرب من دون ضمان باب الخروج.

 

ويؤكد هذا كله أن المشكلة لم تعد فقط في سلوك ترامب خلال الحرب، بل في طبيعة المنطق الذي حكم قراره منذ البداية. فقد تصرف الرئيس الأمريكي بمنطق القوة المجردة، متجاهلا أن إشعال الجبهة أسهل كثيرا من ضبط نتائجها. ولهذا لم تعد الإدارة تناقش اليوم كيف تفرض ترتيبا جديدا، بل كيف تمنع الانفجار الذي صنعته من أن يتحول إلى عنوان دائم لفشلها.

 

وأخيرا انتهى المشهد إلى حقيقة قاسية لا تنفع معها صياغات البيت الأبيض ولا تسريباته الموجهة، وهي أن ترامب لم يقترب من نصر واضح، بل اقترب من مستنقع كان يدعي دائما أنه يرفضه. فالرجل الذي أراد حربا سريعة قابلة للتسويق وجد نفسه أمام حرب مكلفة يصعب تبريرها ويصعب إنهاؤها. ولهذا يبدو الحديث عن تجنب حرب أبدية ليس موقفا مبدئيا، بل اعترافا متأخرا بأن مقامرته الإيرانية انقلبت عليه.