لم تعد الأزمة في مصر تُقاس فقط بقفزات الأسعار. المشهد صار أوضح وأقسى. أسر كانت تشتري احتياجاتها من المتاجر الكبرى، باتت تبحث اليوم في أسواق العتبة وباب البحر وملابس البالة عن أي سلعة أقل ثمناً، حتى لو كانت أقل جودة أو أقرب إلى التلف. هذا ليس تبدلاً عادياً في عادات الشراء. هذا هبوط اجتماعي معلن، يكشف كيف دفعت سياسات الغلاء ملايين المصريين إلى استهلاك اضطراري يقترب من حافة الخطر.

 

من المتاجر الكبرى إلى أسواق الفائض

 

التحول الذي يجري في السوق المصرية لم يعد حالة عابرة فرضها موسم أو مناسبة. نحن أمام تغير هيكلي في سلوك الاستهلاك. الفئات التي كانت تملك هامشاً للاختيار، فقدت هذا الهامش. لم يعد السؤال: أي سلعة أفضل. السؤال صار: أي سلعة يمكن دفع ثمنها أصلاً، حتى لو كانت من فائض الإنتاج أو من رواكد المخازن أو من شحنات لم تستوف شروط التصدير.

 

هذه الأسواق كانت لسنوات طويلة مرتبطة بالفئات الأشد فقراً. الآن تغيّر المشهد بالكامل. لم تعد وجهة للفقراء وحدهم، بل صارت محطة ثابتة لشرائح من الطبقة الوسطى وفوق المتوسطة. الناس لا تذهب إليها بحثاً عن صفقة ذكية. تذهب لأن البديل أصبح خارج القدرة. هذا فارق مهم. لأن الانتقال من الشراء الطبيعي إلى الشراء القسري يعني أن التراجع لم يعد فردياً، بل صار عاماً وواسعاً.

 

التحول لم يتوقف عند الملابس والأدوات المنزلية. الخطر الأكبر أنه امتد إلى الغذاء نفسه. منتجات قريبة من انتهاء الصلاحية، وسلع غير مكتملة المواصفات، صارت تدخل سلة الطعام اليومية لكثير من الأسر. هذا التطور يكشف تآكلاً حاداً في القدرة الشرائية. ويكشف أيضاً انهياراً في المعايير التي كانت قبل سنوات قليلة خطاً فاصلاً لا يمكن تجاوزه، لا صحياً ولا اجتماعياً.

 

الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني يضع هذه الظاهرة في معناها الصحيح. هو لا يراها مجرد بحث عن السعر الأرخص، بل انحداراً مباشراً في جودة الاستهلاك. هذا التوصيف مهم لأنه ينقل النقاش من فكرة الترشيد إلى حقيقة التدهور. حين تعيد الطبقة الوسطى ترتيب أولوياتها تحت ضغط الغلاء، فالمشكلة لم تعد في نمط الإنفاق فقط، بل في بنية الدخول نفسها وعجزها عن اللحاق بالسوق.

 

غلاء منفلت ورقابة غائبة

 

الأسعار في السوق لا ترتفع بهدوء ولا وفق منطق مستقر. الزيادة تضرب الخضروات واللحوم والدواجن على نحو متلاحق، مع تقديرات متداولة تقترب من 40 في المئة في بعض السلع. التاجر يرد الغلاء إلى النقل والطاقة. والمستورد يردّه إلى الحرب وسلاسل الإمداد. لكن المواطن لا يملك رفاهية هذا الجدل. النتيجة النهائية واحدة: كل زيادة تُسحب مباشرة من طبق الطعام.

 

نقيب الفلاحين حسين أبو صدام يربط جانباً رئيسياً من الأزمة بارتفاع تكاليف الإنتاج، خصوصاً الأعلاف والوقود. هذا التفسير يشرح لماذا تتكرر القفزات في أسعار اللحوم والدواجن ومنتجات أساسية أخرى. كلفة الإنتاج حين ترتفع من المنبع، تنتقل سريعاً إلى المستهلك. لكن هذا الشرح، رغم أهميته، لا يكفي وحده. لأن السوق المصرية لا تعمل في فراغ، بل داخل بيئة تغيب عنها رقابة فعالة تكبح الفوضى والمغالاة والاحتكار.

 

المشكلة إذن ليست خارجية فقط، وليست زراعية فقط. هي أيضاً نتيجة مباشرة لترك الأسواق لآليات عرض وطلب مشوهة، في ظل ضعف التدخل الرقابي وتعدد الحلقات الوسيطة واتساع هامش المضاربة. هنا يصبح الغلاء أكثر من أزمة أسعار. يصبح أزمة إدارة. وتصبح الدولة شريكاً بالصمت حين تترك المستهلك أعزل أمام سوق لا يرحم، وتجار يعرفون أن الرقابة أضعف من أن تردع.

 

الخبير الاقتصادي كريم العمدة يلفت الانتباه إلى زاوية أكثر عمقاً. استمرار الاعتماد الكبير على الاستيراد في ملف الغذاء ومستلزمات الإنتاج يجعل السوق المحلية أكثر هشاشة أمام أي اضطراب خارجي، ويضاعف أثر تراجع قيمة العملة على الأسعار. هذا الربط يفسر لماذا يتحول كل ضغط خارجي إلى عبء داخلي مباشر. وحين لا توجد حماية اجتماعية فعالة، يتحمل المستهلك الصدمة كاملة، من دون شبكة أمان حقيقية.

 

الفقراء الجدد ودليل البواقي اليومي

 

أحد أكثر المشاهد دلالة ليس في السوق نفسها، بل على مواقع التواصل الاجتماعي. صفحات ومجموعات كاملة باتت تعمل كأدلة تسوق للطبقة الوسطى المنهكة. تنشر أماكن بيع البواقي. تحدد الأسواق الأرخص. ترصد مواعيد التخفيضات. وتقارن بين الأسعار من حي إلى آخر. ما كان يُقال همساً داخل البيوت، صار الآن معرفة يومية متداولة على الملأ، لأن الحاجة لم تعد تترك مساحة للخجل.

 

هذه الظاهرة ليست تفصيلاً جانبياً. هي مؤشر نفسي واجتماعي واضح. المجتمع الذي كان يربط التوفير بتحسين إدارة الميزانية، صار يربطه اليوم بتفادي الجوع أو تقليل الخسارة. ومع هذا التحول، لم تعد المسألة في شراء سلعة أقل جودة مرة واحدة. المسألة أن هذا النمط يتحول إلى قاعدة. وعندما تتحول القاعدة الغذائية والاستهلاكية إلى قاعدة اضطرارية، فإن المجتمع كله ينتقل درجة إلى أسفل.

 

النتيجة الأوضح هي التآكل السريع للطبقة الوسطى. هذه الفئة كانت تاريخياً صمام توازن اجتماعي واقتصادي. تملك قدرة على الاستهلاك المنتظم. وتحافظ على معايير معيشية مستقرة نسبياً. ما يحدث الآن يضرب هذا التوازن في صميمه. الفجوة بين الدخول والأسعار تتسع بوتيرة لم تعد محتملة. وجودة الحياة تتراجع. والمعايير الغذائية تهبط. والناس لا تتكيف بقدر ما تتنازل، خطوة بعد أخرى، تحت ضغط الحاجة.

 

لهذا لا يجوز التعامل مع لجوء المصريين إلى فائض المصانع ورواكد الأسواق باعتباره مجرد حيلة معيشية عابرة. ما يجري هو جرس إنذار اقتصادي واجتماعي كامل. حين تضطر أسر من الطبقة الوسطى إلى شراء ما كان يُرفض سابقاً لأنه أقل جودة أو أقرب إلى الفساد، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت حدود الغلاء المعتاد. إنها أزمة قدرة على العيش نفسه. وأزمة سلطة دفعت المجتمع كله إلى أسفل، ثم تركته يفتش عن الطعام في هامش السوق.