تستعد وزارة النقل لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من خط سكة حديد الروبيكي ـ العاشر من رمضان خلال يوليو المقبل، بتكلفة إجمالية تصل إلى 160 مليون يورو، ممولة بالكامل تقريبًا من قروض خارجية ومحلية. المشروع يُقدَّم رسميًا باعتباره حلقة لربط المصانع بالموانئ وتعظيم نقل البضائع، لكن بنية التمويل نفسها تطرح السؤال الأهم: هل تتحول مشروعات النقل في مصر إلى سياسة ثابتة عنوانها التوسع ثم البحث عن القرض، لا العكس؟

 

تمويل كامل تقريبًا.. والهيئة تدفع ثم تقترض من جديد

 

بحسب المعلومات المعلنة، تشمل المرحلة الجديدة تنفيذ أعمال البنية الفوقية للخط بطول 69 كيلومترًا خلال 16 شهرًا، بعد أن سددت هيئة سكك حديد مصر ما يعادل 110 ملايين يورو خلال العام الماضي لشركات مقاولات مصرية نفذت المرحلة الأولى الخاصة بالبنية الأساسية للمسار والمحطات. بهذا المعنى، فإن المشروع يتحرك على مرحلتين ماليتين متتاليتين: مرحلة دفعتها الهيئة، ومرحلة جديدة ستبدأ بقروض جديدة، رغم أن الهيئة نفسها تعمل داخل قطاع يضغط عليه عجز التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض.

 

المرحلة الثانية لن تقتصر على مد القضبان. التحالف المنفذ يضم شركة ألستوم الفرنسية، إلى جانب رواد الهندسة الحديثة وكونكريت بلس، وسيتولى توريد وتشغيل الأنظمة الميكانيكية والإشارات والاتصالات والتحكم المركزي. البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قال صراحة إن قرضه البالغ حتى 35 مليون يورو مخصص لمسارات السكك الحديدية وأنظمة الإشارات والاتصالات لهذا الخط، بينما أعلنت الوكالة الفرنسية للتنمية تمويلًا بقيمة 70 مليون يورو للمشروع نفسه. كما أن مجلس النواب وافق في مارس 2025 على اتفاقية قرض البنك الأوروبي الخاصة بالخط.

 

المشكلة هنا ليست في أصل المشروع فقط. النقل بالسكك الحديدية للبضائع قد يكون ضروريًا فعلًا. لكن الخبير إبراهيم الدجاني، مدير قطاع النقل في البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يلفت إلى أن كفاءة السكة الحديد لا تتحقق بقطعة منفصلة من المنظومة، بل باكتمال عناصر المسار والإشارات والتشغيل والسلامة والتدريب معًا. هذه ملاحظة جوهرية. لأن الحكومة تبيع الخط باعتباره حلًا لوجستيًا جاهزًا، بينما الواقع يقول إن نجاحه مرهون بمنظومة كاملة، لا بمقاولة جديدة ممولة بالدين.

 

ربط لوجستي أم تحميل جديد على فاتورة الدين؟

 

التمويل المعلن يتوزع بين 70 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، و35 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بينما ستدبر الهيئة باقي المبلغ من بنوك محلية بالجنيه. هذا يعني أن المشروع لا يعتمد فقط على الدين الخارجي، بل يضيف إليه اقتراضًا محليًا أيضًا. وفي لحظة ترتفع فيها تقديرات مدفوعات الدين الخارجي المستحقة على مصر خلال 2026 إلى 32.34 مليار دولار، يصبح من الصعب التعامل مع أي قرض جديد كأنه رقم معزول عن الصورة العامة.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق حذر في أكثر من مناسبة من التوسع في الاستدانة المحلية وأدوات الدين الحكومية، واعتبر أن هذا المسار يحمل عواقب خطيرة على الاقتصاد، من التضخم إلى تآكل قيمة العملة وتدهور الخدمات الأساسية. صحيح أن حديثه كان عن الاقتراض الحكومي بوجه عام، لا عن هذا الخط تحديدًا، لكنه يضع المشروع داخل السياق الحقيقي: كل توسع جديد في الاقتراض لا يُقاس فقط بعائد المشروع، بل بوزنه فوق هيكل دين متخم أصلًا.

 

وزارة النقل تراهن على أن المشروع سينقل نحو 65% من إجمالي الحاويات والبضائع المتوقع تداولها في ميناء العاشر من رمضان الجاف، والمقدرة بنحو 100 ألف حاوية سنويًا، بينما ستُنقل النسبة الباقية بالشاحنات وعبر موانئ ومناطق صناعية أخرى. هذا الهدف متسق مع منطق الميناء الجاف وربط المناطق الصناعية بالممرات اللوجستية، كما تؤكد وثائق البنك الأوروبي وتصريحات الوزارة، لكن حتى هذه الجدوى المعلنة لا تلغي سؤال التكلفة والجدول الزمني والعائد الفعلي بعد التشغيل.

 

حين تبقى الشاحنات في الصورة

 

المفارقة أن المشروع يُطرح باعتباره وسيلة لتخفيف الضغط عن الطرق، ثم تعود الشاحنات إلى قلب المشهد فورًا. فالمصدر نفسه يقول إن جزءًا معتبرًا من البضائع سيستمر نقله عبر الدائري الإقليمي، والقاهرة ـ بلبيس الصحراوي، ومصر ـ الإسماعيلية الصحراوي، ومحور 30 يونيو وصولًا إلى ميناء شرق بورسعيد. أي أن الخط لن يُقصي الشاحنات، بل سيعمل بجوارها. هنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: إذا كانت الدولة ستتحمل 160 مليون يورو إضافية، فكم سيوفر الخط فعلًا من كلفة النقل واستهلاك الطرق والانبعاثات، وكم سيحتاج من زمن حتى يغطي كلفته؟

 

البنك الدولي نفسه يدافع عن نقل البضائع من الطرق إلى السكك الحديدية لأنه يقلل التلوث ويزيد الكفاءة، لكنه يربط ذلك بزيادة القدرة التشغيلية الفعلية. وفي مصر، لا تزال السكك الحديدية تاريخيًا أكثر تركيزًا على نقل الركاب من البضائع. لذلك فإن الرهان على هذا الخط يجب أن يُقاس بنتائجه الفعلية، لا فقط بعنوانه اللوجستي الجذاب.

 

في الخلفية، يتواصل خطاب الوزير كامل الوزير عن تحفيز المستثمرين الأجانب على توطين صناعات النقل، بالتوازي مع أزمة خدمة الدين الخارجي وشح النقد الأجنبي. لكن الخبير الاقتصادي مدحت نافع يشدد على أن أولويات التعافي في مصر ترتبط بتخصيص الموارد الشحيحة بكفاءة، وخفض مزاحمة الدولة للقطاع الخاص، وربط الإنفاق العام بأولوية واضحة لا تحتمل التوسع المفتوح. وهذا هو جوهر القضية هنا: إذا كانت الحكومة تريد توطين الصناعة وجذب الاستثمار، فلا يكفي أن تبني خطًا جديدًا بقرض جديد، ثم تطلب من السوق أن يصدق أن هذا هو طريق الخروج من ضيق التمويل.

 

المشروع قد يكون مفيدًا. هذا وارد. لكنه حتى الآن يقدم نموذجًا مكررًا في إدارة ملف النقل: توسع سريع، تمويل أجنبي، اقتراض محلي موازٍ، ووعود كبيرة قبل التشغيل. أما السؤال الذي لا يزال بلا إجابة واضحة، فهو من سيدفع الثمن النهائي إذا تأخر العائد أو تراجعت الأرقام المستهدفة. في مصر اليوم، الإجابة المعتادة معروفة سلفًا: الدين أولًا، ثم الجميع بعده.