المواجهة لم تعد مجرد تبادل صواريخ وبيانات عسكرية. ما يجري الآن يكشف شيئًا أبعد: اتساع قدرة إيران على ضرب أهداف حساسة داخل إسرائيل، مقابل ارتباك أمريكي واضح بين رواية القوة ورواية الأعطال والانكفاء المؤقت.

 

خلال الساعات الأخيرة، أعلن الحرس الثوري الإيراني قصف محطات استقبال أقمار صناعية قال إنها تقدم خدمات للجيش الإسرائيلي. وتزامن ذلك مع تداول مشاهد لاستهداف محطة طاقة إسرائيلية في الخضيرة، ومع ادعاء إيراني جديد باستهداف حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” بصواريخ كروز بحرية، بينما خرجت في الوقت نفسه تقارير أمريكية عن متاعب أعمق في الحاملة “جيرالد فورد” تتجاوز حريق غرفة الغسيل إلى مشاكل تشغيلية وهيكلية أوسع. الثابت هنا ليس أن كل رواية إيرانية تحققت بحرفيتها، بل أن صورة الردع الأمريكي والإسرائيلي تتعرض لتآكل متواصل تحت ضغط الحرب الطويلة.

 

إيران توسع بنك الأهداف وتضغط على العقد الحساسة

 

إعلان الحرس الثوري استهداف محطات استقبال أقمار صناعية تخدم الجيش الإسرائيلي يحمل دلالة عسكرية وسياسية معًا. عسكريًا، لأنه يعني نقل الهجوم من مجرد استهداف القواعد أو المصافي إلى ضرب البنية التي تغذي القيادة والسيطرة والاتصالات. وسياسيًا، لأنه يقول إن طهران لم تعد تكتفي برسالة الرد، بل تريد إظهار أنها قادرة على الاقتراب من طبقات أكثر حساسية في البنية الإسرائيلية. هذا الإعلان ورد بالفعل في تغطيات منشورة عن الموجات الأخيرة من القصف الإيراني، لكن لا يوجد حتى الآن توثيق مستقل مفصل لحجم الضرر أو لطبيعة هذه المحطات على نحو يحسم الرواية بالكامل.

 

وفي الميدان نفسه، ظهرت مشاهد مصورة لانفجار وشظايا في محطة طاقة إسرائيلية، مع تغطيات تحدثت عن الخضيرة أو حيفا بحسب المصدر. الثابت من التغطيات الموثقة أن منشآت طاقة إسرائيلية تعرضت لإصابات أو شظايا خلال الهجمات الإيرانية، لكن تحديد الموقع النهائي بين الخضيرة وحيفا ما زال غير محسوم على نحو مستقل في كل المواد المتداولة. هذا مهم لأن الدقة هنا ليست تفصيلًا. إيران تريد إثبات أنها تضرب البنية التحتية. وإسرائيل تريد تقليل أثر الضربات أو تشتيت صورتها. وبين الروايتين تبقى النتيجة السياسية واحدة: العمق الإسرائيلي لم يعد بمنأى عن الاستهداف.

 

العقيد نضال أبو زيد وصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة “انتزاع زمام المبادرة”، وأشار إلى أن إيران حققت نجاحًا مباشرًا في استهداف حيفا، المنطقة التي تضم منشآت طاقة وبتروكيماويات، لكنها لم تنجح دائمًا في الحفاظ على الزخم بعد الضربة الأولى. هذا التوصيف يفسر ما يجري الآن بدقة: ليست كل ضربة حاسمة، لكن تكرار الوصول إلى أهداف حساسة يكفي وحده لإرباك منظومة الردع وفرض كلفة اقتصادية ونفسية متزايدة على إسرائيل.

 

حاملة لينكولن بين الادعاء الإيراني والنفي الأمريكي

 

الجيش الإيراني قال إنه استهدف “أبراهام لينكولن” بصواريخ كروز بحرية وأجبرها على تغيير موقعها. هذا الادعاء ليس جديدًا تمامًا. إيران أعلنت أكثر من مرة خلال مارس أنها استهدفت الحاملة أو اقتربت منها، بينما نفت القيادة الأمريكية ذلك بشكل متكرر وقالت إن الصواريخ لم تقترب منها وإن الحاملة واصلت عملها بلا إصابة. حتى الآن، لا يوجد دليل مستقل منشور يحسم وقوع إصابة مباشرة في “لينكولن”. لكن مجرد تكرار الادعاء، مع استمرار نشر صور ومعلومات عن موقع الحاملة وتحركاتها، يعني أن الحاملة نفسها تحولت من رمز قوة إلى محور حرب روايات واستنزاف متبادل.

 

هذه النقطة يشرحها اللواء محمد عبد الواحد من زاوية أوسع. الرجل قال إن إيران تملك ترسانة بحرية ضخمة من الألغام والصواريخ والمدفعية الساحلية والغواصات المسيّرة، وإن الولايات المتحدة عاجزة عن تأمين الملاحة منفردة في بيئة مثل هرمز. معنى ذلك أن استهداف حاملة أمريكية ليس شرطه دائمًا تحقيق إصابة مباشرة ومعلنة. أحيانًا يكفي إجبارها على تغيير التموضع، أو رفع كلفة اقترابها، أو تحويل بقائها في المنطقة إلى عبء عملياتي وسياسي. هذا بالضبط ما تحاول إيران فرضه.

 

حتى التغطيات التي تناولت الحاملة من زوايا غير إيرانية أكدت أنها تعمل ضمن مجموعات حماية معقدة، وأنها ليست هدفًا سهلًا، لكنها في الوقت نفسه ليست فوق الاستنزاف أو فوق ضغط البيئة القتالية المحيطة. لذلك فإن المبالغة الأمريكية في نفي كل أثر، أو المبالغة الإيرانية في إعلان كل ضربة كنصر حاسم، تخفي حقيقة أكثر بساطة: الحاملات الأمريكية ما زالت تعمل، لكنها لم تعد تتحرك في بيئة مريحة أو محصنة كما كان يُروَّج سابقًا.

 

فورد تكشف ما لا تقوله واشنطن عن كلفة الحرب

 

إذا كانت “لينكولن” تعيش تحت ضغط الاستهداف، فإن “جيرالد فورد” تكشف وجهًا آخر للأزمة: الأعطال الداخلية نفسها. تقارير منشورة من بلومبرغ ووسائل أمريكية أخرى أكدت أن الحاملة الأحدث في البحرية الأمريكية اضطرت إلى التوجه نحو اليونان لإصلاحات بعد حريق في غرفة الغسيل أصاب بحّارين وعطّل جزءًا من المبيت، وأن المشاكل لا تقف عند هذا الحد، بل تشمل أزمات في الصرف الصحي ونقصًا في الأسرة وصعوبات تشغيلية تراكمت خلال انتشار طويل. بلومبرغ وصفت الحريق بأنه عرقل خطط استخدام السفينة لإظهار القوة في الحرب مع إيران. هذا ليس تفصيلًا ثانويًا، بل صورة معاكسة تمامًا لخطاب الهيمنة البحرية الأمريكية.

 

عارف دهقاندار، الباحث في الأمن الدولي، قال إن البيئة البحرية حول إيران معقدة جيوسياسيًا وعسكريًا، وإن أي محاولة لفرض حصار أو تشغيل بحري ضاغط ستظل مكلفة ومحفوفة بتداعيات إقليمية ودولية. وقد أضاف جواد حيران نيا أن أمريكا قد تملك القدرة التقنية على الحشد البحري، لكن رد الفعل الإيراني هو العقدة الأساسية، لأن طهران تملك أدوات غير متماثلة تجعل البحر نفسه مساحة تهديد دائم لا مجرد مسرح استعراض. في هذا السياق، تبدو متاعب “فورد” أكثر من حريق عرضي. تبدو كاشفة لكلفة حرب تتجاوز الصواريخ إلى إنهاك المنصات التي يفترض أنها عنوان التفوق الأمريكي.

 

وأخيرا فالساعات الأخيرة لا تسمح بخلاصة دعائية سهلة. نعم، بعض البيانات الإيرانية ما زال في نطاق الادعاء غير المحسوم مستقلًا، وعلى رأسها إصابة “لينكولن” مباشرة. لكن الثابت أيضًا أن إيران توسع بنك أهدافها داخل إسرائيل، وأن منشآت طاقة واتصالات تعرضت لضربات أو شظايا، وأن الحاملات الأمريكية نفسها باتت جزءًا من معركة استنزاف لا مجرد أدوات ردع بعيدة عن الخطر. هنا جوهر الخبر: الحرب لم تكسر إيران سريعًا، ولم تحفظ لإسرائيل وأمريكا صورة الحصانة التي باعتاها للمنطقة سنوات طويلة.