لم يعد ملف الاقتصاد غير الرسمي في مصر شأنا فنيا يخص الضرائب فقط. الدولة تتعامل معه اليوم باعتباره خزانا ماليا ضخما خارج الرقابة، في لحظة تعاني فيها من عجز مزمن وضغط دين ونقص موارد.

التقديرات المتداولة تضع حجمه بين 40% و55% من الناتج المحلي، أي نحو 14 تريليون جنيه أو قرابة 270 مليار دولار، وهو ما يعني أن كتلة هائلة من النشاط تدور خارج السجل والضريبة والمحاسبة.

الحكومة تقول إنها اختارت هذه المرة الحوافز بدل الغرامات، وأقرت بالفعل في 2025 حزمة تيسيرات ضريبية وقوانين لتسوية الأوضاع وتوسيع القاعدة الضريبية. لكن المشكلة الأعمق لا تبدأ عند الباعة الجائلين ولا تنتهي عند الورش الصغيرة.

المشكلة أن الحديث عن دمج الاقتصاد الموازي يصبح ناقصا، بل مضللا، إذا جرى من دون الاقتراب من اقتصاد أكبر وأشد حصانة: اقتصاد العسكر والدولة الموازية التي لا تخضع للرقابة نفسها ولا لقواعد السوق نفسها.

 

خارج الرادار.. لكن ليس كله بالمعنى نفسه

 

التصوير الرسمي للاقتصاد غير الرسمي يوحي أحيانا بأنه كتلة واحدة من التهرب والفوضى. هذا غير صحيح. داخل هذا العالم أنشطة بقاء يومي لا تملك أصلا قدرة على الامتثال، مثل عمالة الخدمات المنزلية والباعة الصغار والحرف الهشة.

 

وهناك في المقابل أنشطة مهنية وتجارية أعلى دخلا، من عيادات ومكاتب وسماسرة وعمولات ومقاولات فرعية، تعمل خارج المظلة الرسمية رغم قدرتها على التنظيم. مصلحة الضرائب نفسها تقول إن دمج هذا الاقتصاد هدف رئيسي للحزمة الجديدة، ووصف رئيس قطاع الفحص بالمصلحة أشرف الزيات الاقتصاد غير الرسمي بأنه “ينخر في عظام الاقتصاد القومي”، مشيرا إلى أن نشاطا واحدا مثل المقاولات يرتبط بمئات الأنشطة غير الظاهرة رسميا. هذا يعني أن الدولة لا تواجه هوامش صغيرة فقط، بل شبكة واسعة متشعبة من المصالح والأرباح غير المعلنة.

 

الحكومة تحاول هذه المرة تسويق مقاربة مختلفة. بدلا من مداهمات وإغلاقات، تعرض تسويات وإعفاءات وترخيصا مؤقتا وتبسيطا في الإجراءات. مصلحة الضرائب نشرت بالفعل مبادرة الحوافز والتسهيلات الضريبية، التي تضم قوانين 5 و6 و7 لسنة 2025، وبينها تسوية أوضاع بعض الممولين، وحوافز للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. كما أن قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر يسمح بإصدار تراخيص مؤقتة لمشروعات الاقتصاد غير الرسمي لتوفيق أوضاعها. الرسالة هنا واضحة: الدولة تحتاج المال بسرعة، لكنها تعرف أن القبضة وحدها لن تكفي.

 

أشرف عبد الغني، رئيس جمعية خبراء الضرائب المصرية، لخص هذا المنطق عندما قال إن جذب هذا الحجم الكبير من الاقتصاد الموازي يتطلب حوافز حقيقية ومبدأ “عفا الله عما سلف”، لا مجرد توسيع المطاردة. هذا الرأي مهم لأنه يكشف أن الأزمة ليست في غياب القانون فقط، بل في غياب الثقة. من يعمل خارج المنظومة لا يثق أن دخوله إليها سيحميه، بل يخشى أن يتحول إلى ممول دائم تحت الطلب. لذلك فإن أي حديث عن دمج ناجح يظل ناقصا ما لم يقترن بتكلفة دخول منخفضة، وإجراءات سهلة، وضمانات ضد التعسف الجبائي لاحقا.

 

لماذا الآن؟ لأن الخزانة تحت الضغط

 

السؤال الأوضح ليس لماذا يوجد اقتصاد مواز، بل لماذا صار فجأة في صدارة الأولويات. الإجابة مالية قبل أي شيء آخر. مصر تواجه التزامات إصلاحية وضغوط موازنة وحاجة ملحة إلى تعظيم الإيرادات من دون اللجوء في كل مرة إلى ضريبة جديدة أو قرض جديد. رئيسة مصلحة الضرائب رشا عبد العال قالت إن الإيرادات الضريبية ارتفعت 35% خلال العام المالي 2024-2025 لتصل إلى 2.2 تريليون جنيه، وإن أول شهرين من العام المالي التالي سجلا نموا يتجاوز 20%، كما ربطت ذلك بالتسهيلات الضريبية وتوسيع قاعدة الممولين والوصول إلى الاقتصاد الموازي والتجارة الإلكترونية. هذه الأرقام تكشف شيئا أساسيا: الدولة تعتبر دمج الاقتصاد غير الرسمي مسارا ماليا سريعا ومباشرا، لا مجرد إصلاح هيكلي طويل الأجل.

 

لكن هذه المقاربة تحمل مشكلة جوهرية. حين تصبح الأولوية هي الحصيلة، لا العدالة، يتحول الدمج إلى عملية جباية أكثر منه إصلاحا اقتصاديا. الاقتصاد غير الرسمي في مصر تضخم أصلا بسبب تعقيد الترخيص وارتفاع كلفة الامتثال وضعف الخدمات وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة. فإذا بقيت هذه الأسباب كما هي، فلن يكون الدمج إلا نقل جزء من النشاط من الظل إلى الضوء الجبائي، من دون علاج البنية التي أنتجت الظل نفسه. ولهذا تبدو الأرقام الضريبية الصاعدة دليلا على قدرة الدولة على التحصيل، لا بالضرورة على نجاحها في بناء اقتصاد رسمي أوسع وأكثر عدالة.

 

حين يُذكر اقتصاد الظل ويُستثنى اقتصاد العسكر

 

هنا تصل القضية إلى جوهرها السياسي. يزيد صايغ، في دراسته عن “الجمهورية الثانية” وفي أعماله السابقة عن الاقتصاد العسكري، يتحدث بوضوح عن “دولة موازية” داخل مصر، لها ميزانياتها وامتيازاتها ومجالاتها الاقتصادية الخاصة، ولا تخضع لرقابة مدنية مماثلة ولا لمنافسة متكافئة مع القطاع الخاص. هذا التوصيف ينسف أي رواية مريحة تحصر الاقتصاد الموازي في الباعة الجائلين والورش والمهنيين فقط. لأن هناك في قلب الاقتصاد المصري منطقة أوسع نفوذا وأشد تعتيما من كل هؤلاء، ولا يمكن الحديث الجدي عن توسيع القاعدة الضريبية أو المنافسة أو العدالة من دون الاقتراب منها.

 

لهذا يبدو المشهد مختلا من الأساس. الدولة تراهن على أن الأنشطة غير الرسمية ستدخل المنظومة مقابل حماية قانونية وتمويل مصرفي وفرص توسع ومشاركة في المناقصات. لكنها في الوقت نفسه تترك السؤال الأثقل معلقا: هل ستخضع كل المراكز الاقتصادية للقواعد نفسها فعلا؟ أم أن المطلوب فقط هو ضم من هم خارج الدولة، بينما تبقى داخلها دولة اقتصادية أخرى فوق المساءلة؟ هنا يصبح ملف الاقتصاد الموازي أقل ارتباطا بالإيرادات وأكثر ارتباطا بطبيعة السلطة نفسها. لأن السوق لا يختل فقط عندما يهرب صغار الأنشطة من الترخيص، بل يختل أيضا عندما توجد كيانات ضخمة تتمتع بإعفاءات واحتكار ونفوذ من دون الشفافية نفسها.

 

الخلاصة أن خطة دمج الاقتصاد غير الرسمي لن تكون إصلاحا حقيقيا إذا بقيت مجرد حملة لتوسيع الجباية على من هم أصلا خارج الحماية. نعم، الاقتصاد الموازي يحرم الخزانة من موارد كبيرة. نعم، تبسيط الإجراءات والحوافز قد يدفع جزءا منه إلى الدخول. لكن العدالة تبدأ من مكان آخر: من توحيد القواعد، لا من توسيع المطالبات فقط. ومن دون فتح ملف اقتصاد العسكر والدولة الموازية، سيظل المشهد كما هو: دولة تطلب من الهامش أن ينكشف، بينما يبقى المركز نفسه محجوبا عن المحاسبة.