يرصد صالح سالم في هذا التقرير تصاعد الغضب في مصر عقب إعلان إثيوبيا نيتها بناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، الرافد الرئيسي لنهر النيل، في خطوة أثارت مخاوف واسعة من تفاقم أزمة المياه المصرية وتعميق التوتر القائم أصلًا بين القاهرة وأديس أبابا.
ويشير العربي الجديد إلى أن الحكومة الإثيوبية طرحت بالفعل مناقصات أمام الشركات المتخصصة لبناء السدود الثلاثة، مؤكدة أن تنفيذها سيستغرق بين أربع وسبع سنوات، وأنها ستدخل الخدمة في توقيت متزامن تقريبًا، ضمن خطة تقول أديس أبابا إنها تستهدف تعزيز قدراتها المائية والكهربائية ودعم التنمية المستدامة.
سدود جديدة ومخاوف مصرية متصاعدة
تسعى إثيوبيا، بحسب التقرير، إلى رفع قدرتها على توليد الكهرباء وإدارة المياه عبر مشروعات تبلغ كلفة كل واحد منها 3.5 مليارات دولار. وتقول الحكومة الإثيوبية، إن السدود الثلاثة سترفع إنتاج الكهرباء بنسبة تراوح بين 20 و25 في المئة، كما ستدعم الزراعة والصناعة وتحسن إدارة الموارد المائية في القرن الأفريقي.
لكن خبراء مصريين يرون أن هذا التوسع لا يحمل فقط بُعدًا تنمويًا داخليًا لإثيوبيا، بل ينذر أيضًا بتحول جذري في إدارة مياه النيل الأزرق. ويحذر أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي من أن السدود الجديدة ستزيد شح المياه في مصر على نحو خطير، كما سترفع القدرة التخزينية لإثيوبيا بما يمنحها سيطرة أوسع على تدفقات النهر نحو دول المصب.
ويضيف شراقي أن هذه السدود لن تقتصر آثارها على تقليل حصة مصر المائية، بل قد تضعف كذلك قدرة السد العالي في جنوب مصر على توليد الكهرباء، وهو ما قد ينعكس في صورة خسائر اقتصادية وتراجع في إنتاج الطاقة.
أزمة المياه تتعمق مع أزمة السد الإثيوبي
تعاني مصر أصلًا من فقر مائي واضح، إذ لا تكفي حصتها السنوية من مياه النيل لتغطية احتياجاتها المتزايدة. ويأتي الإعلان الإثيوبي الجديد بينما ما تزال أزمة سد النهضة تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات بين البلدين، بعد سنوات طويلة من الخلاف حول بناء السد وتشغيله وملء خزانه.
يعتمد المصريون على النيل لتأمين 98 في المئة من احتياجاتهم من المياه العذبة، لذلك تنظر القاهرة إلى أي مشروعات مائية إثيوبية جديدة باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والغذائي والتنموي. وخلال السنوات الماضية، حاولت مصر التكيف مع الضغوط الناتجة عن سد النهضة عبر التوسع في محطات معالجة الصرف وتحلية مياه البحر وترشيد الاستهلاك وتحديث شبكات الري.
ويرى خبراء أن هذه الإجراءات خففت جزءًا من آثار الأزمة، لكنها لم تعالج أصل المشكلة. ويعبر خبير المياه المستقل نور الدين عبد المنعم عن قلقه من الإدارة الأحادية للسد، معتبرًا أن هذا النهج فتح الباب أمام تصريفات غير منضبطة للمياه تسببت أحيانًا في أضرار بمصر والسودان، بينها فيضانات وخسائر اقتصادية.
ويذكّر التقرير بأن مصر، التي تحصل وفق اتفاق 1959 على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل، خسرت نحو 38 مليار متر مكعب خلال فترة ملء خزان سد النهضة بين 2020 و2022، وفق تقديرات حكومية مصرية. وفي يناير الماضي، طالب وزير الري هاني سويلم إثيوبيا بتعويض مصر عن هذه الخسائر.
صراع المياه يمتد إلى الجغرافيا والسياسة
لا ينفصل الخلاف حول السدود عن سياق جيوسياسي أوسع. فالمفاوضات الطويلة بين القاهرة وأديس أبابا، التي شاركت فيها الخرطوم أيضًا، لم تفضِ إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة، بينما تتهم مصر إثيوبيا بالمماطلة حتى تفرض الأمر الواقع.
ويتجاوز التوتر ملف المياه وحده، إذ تربط القاهرة بين سياسة السدود الإثيوبية وطموحات أديس أبابا في البحر الأحمر. وترى مصر أن سعي إثيوبيا إلى موطئ قدم على سواحل إقليم أرض الصومال المنفصل يهدد أمنها القومي ويضغط على مصالحها الحيوية، وعلى رأسها قناة السويس.
ودفع هذا المشهد مصر إلى توسيع حضورها العسكري والسياسي في القرن الأفريقي، عبر إرسال قوات إلى الصومال وإبرام اتفاقات دفاع وتعاون عسكري مع دول مجاورة لإثيوبيا. وتقول أماني الطويل، المتخصصة في الشؤون الأفريقية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، إن القاهرة رفعت مستوى الضغط على أديس أبابا عبر تكثيف وجودها العسكري واتصالاتها الإقليمية بشأن أزمة السد وطموحات إثيوبيا البحرية.
تمضي إثيوبيا في تقديم السدود الثلاثة باعتبارها جزءًا من مخطط وطني للطاقة النظيفة وتقليص الفقر، لكن هذه المشروعات، في نظر المصريين، تفتح بابًا جديدًا لأزمة أعمق، لأن القاهرة ترفض أي بناء لسدود على النيل من دون اتفاق قانوني ملزم. ولهذا يرجح التقرير أن تحمل المرحلة المقبلة مزيدًا من التوتر، ما دامت أديس أبابا تتعامل مع النهر كأنه مورد وطني خالص، لا نهرًا عابرًا للحدود تفرض طبيعته شراكة عادلة بين دوله.
https://www.newarab.com/news/egyptian-outrage-ethiopia-plans-more-dams-blue-nile

