منذ 28 فبراير 2026، لم تعد الحرب على إيران شأنا يخص طهران وتل أبيب وواشنطن فقط. الجبهة اتسعت. والخليج صار ميدانا مباشرا للصواريخ والمسيّرات والحرائق والارتباك الملاحي.

 

البيانات الرسمية والتغطيات المتقاطعة حتى 21-24 مارس تؤكد أن السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر تعرضت لهجمات إيرانية مباشرة أو لمحاولات استهداف متكررة، بينما ظل مضيق هرمز في قلب المعركة، مع تراجع حاد في حركة الشحن وعودة النفط فوق 100 دولار للبرميل. بعض الأرقام المتداولة يظل محل تباين بين دولة وأخرى، لكن الصورة العامة لم تعد قابلة للإنكار: الخليج يدفع ثمن حرب لم يخترها، والدفاعات الجوية لم تمنع انتقال النار إلى الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة والقواعد الأمريكية.

 

صواريخ ومسيّرات على كل الجبهة

 

الأشد وضوحا كان في الإمارات. وزارة الدفاع أعلنت في 1 مارس أنها رصدت منذ بدء الهجوم الإيراني 174 صاروخا باليستيا، دمرت 161 منها، وسقط 13 في البحر، كما اعترضت 645 طائرة مسيرة من أصل 689، مع سقوط 44 داخل الدولة، إضافة إلى تدمير 8 صواريخ جوالة. وتحدثت تقارير لاحقة عن أضرار وحرائق قرب الفجيرة ومحيط دبي، بما أكد أن الاعتراض الكثيف لم يمنع الاختراق بالكامل.

 

في السعودية، أعلنت وزارة الدفاع في 19 مارس اعتراض 3 صواريخ باليستية و35 مسيرة استهدفت الشرقية وميناء ينبع والرياض، ثم أعلنت في 20 مارس اعتراض مسيرة جديدة في المنطقة الشرقية.

 

وفي الكويت، أعلنت السلطات في 21 مارس اعتراض 9 صواريخ باليستية و4 مسيرات خلال 24 ساعة، بعد أيام من هجمات سابقة استهدفت المجال الجوي ومنشآت حيوية.

 

أما البحرين فأعلنت في 16 مارس أنها اعترضت منذ بدء الهجمات 125 صاروخا و212 طائرة مسيرة، مع استمرار بيانات لاحقة عن تصدٍّ لصواريخ جديدة وحرائق في منشآت داخل البلاد.

 

وفي قطر، أكدت تقارير استهداف قاعدة العديد، مع اعتراض هجمات بمسيّرات وصواريخ في أكثر من موجة.

 

أما عمان، فبقيت في قلب التهديد بحكم الجغرافيا والمضيق، لكن لم تظهر حتى الآن حصيلة علنية تفصيلية مماثلة لبقية دول المجلس.

 

أنجي عمر، في تحليل منشور لدى كارنيغي، لخصت المأزق بدقة: الخليج لم يعد يتعامل مع توتر سياسي أو حرب بالوكالة، بل مع ضربات نقلت المواجهة إلى “مسافة أقرب من مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي”. وتقول إن دول الخليج تواجه معضلة واضحة: الرد الضعيف يفتح الباب لمزيد من الاعتداءات، والرد القوي قد يوسع الحرب. هذا بالضبط ما يفسر المشهد الحالي: دفاع كثيف. خطاب سياسي حاد. لكن من دون اندفاع جماعي إلى حرب مفتوحة.

 

الردع الأمريكي حاضر.. لكنه لا يمنع الاختراق

 

واشنطن عززت وجودها العسكري بالفعل. تقارير اليوم تتحدث عن أكثر من 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، مع إرسال 5 آلاف من مشاة البحرية على متن سفن هجومية، وإضافة قوات ومعدات دفاعية جديدة بينما يظل الهدف المعلن حماية البنية الحيوية وفتح الملاحة في هرمز. لكن وجود هذا الحجم من القوة لم يمنع الهجمات على الخليج، ولم يمنع وصول الصواريخ والمسيّرات إلى أهداف حساسة أو إلى محيطها المباشر. هذه هي الحقيقة التي تحرج السردية الأمريكية قبل غيرها.

 

نيكول غرايفسكي، الباحثة في مؤسسة كارنيغي، ترى أن الحملة الأمريكية والإسرائيلية ركزت على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية وتعطيل القيادة والسيطرة وتفكيك البنية الصاروخية والدفاعية، لكنها تؤكد أيضا أن السيطرة على الديناميات السياسية للحرب أصعب بكثير من التفوق العسكري المباشر. هذا التقدير مهم هنا لأن الخليج يعيش نتيجة هذه الفجوة بالضبط: إيران تضررت بشدة، لكن قدرتها على الإيذاء لم تنكسر، ولذلك لجأت أكثر إلى الحرب غير المتكافئة بالصواريخ والمسيّرات وتعطيل الملاحة وتهديد البنية الحيوية للدول المجاورة.

 

لهذا رفعت دول مجلس التعاون حالة التأهب إلى أقصى مستوى، ووسعت التنسيق الجوي المشترك، وأصدرت بيانات إدانة متتالية، بينما اتخذت بعض الدول إجراءات دبلوماسية ضد طهران. لكن هذا الرد الدفاعي، مهما بلغ، يبقى اعترافا ضمنيا بأن الخليج صار ساحة مستباحة في حرب الآخرين، وأن المظلة الأمريكية لا تمنح حصانة كاملة بقدر ما تمنح قدرة أعلى على التقاط الضربات وتخفيف خسائرها.

 

هرمز يختنق.. والنفط يدفع الفاتورة إلى العالم

 

الأثر الأخطر ليس عسكريا فقط. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، تعرض لإغلاق فعلي أو شبه فعلي في فترات من الحرب. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن نحو 90 سفينة فقط عبرت المضيق بين 1 و15 مارس، مقارنة بمعدلات أعلى كثيرا في الظروف العادية، فيما تحدثت تقارير أخرى عن تراجع يومي حاد في الحركة وارتفاع أقساط التأمين على السفن إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود. ومع هذا الاختناق، عاد خام برنت إلى ما فوق 100 دولار، وبدأت المخاوف من موجة تضخم جديدة تمتد من آسيا إلى أوروبا.

 

فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، حذر اليوم من أن أزمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران قد تكون أسوأ من صدمات السبعينيات مجتمعة مع أزمة الغاز بعد حرب أوكرانيا. هذا ليس توصيفا دعائيا. الرجل يتحدث عن فقدان ملايين البراميل يوميا، وعن تهديد مباشر لأسواق النفط والغاز والأسمدة وسلاسل الإمداد. ومعنى ذلك أن الخليج لم يعد فقط هدفا عسكريا، بل صار بؤرة أزمة اقتصادية عالمية كاملة.

 

الخلاصة أن المشهد تجاوز مرحلة الرسائل المتبادلة. إيران قصفت وهددت وأنكرت في الوقت نفسه مسؤوليتها عن بعض الضربات المدنية. الولايات المتحدة عززت وجودها وهددت بمزيد من التصعيد. ودول الخليج تحاول حماية منشآتها من دون الانجرار إلى حرب هجومية شاملة. لكن النتيجة حتى الآن واضحة وخشنة: القواعد ضُربت، الموانئ احترقت، المطارات تعرضت للخطر، والمضيق اختنق، والنفط ارتفع. هذه ليست أزمة عابرة. هذه لحظة انكشاف كاملة لنظام أمن خليجي قيل طويلا إنه محصن، ثم أثبتت الحرب أنه قابل للاهتزاز مع أول مواجهة كبرى مباشرة.