لم يعد القانون رقم 73 لسنة 2021، الخاص بشروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، مجرد أداة لضبط بيئة العمل أو حماية المرافق العامة كما روّجت الحكومة عند تمريره، بل تحوّل في التطبيق إلى سلاح قاسٍ للفصل الجماعي، ووسيلة عقاب جاهزة تُطيح بسنوات الخدمة الطويلة في لحظة، من دون ضمانات كافية، ومن دون مسار عادل يحمي الموظف من الخطأ أو التلاعب أو حتى تعاطي أدوية علاجية قد تؤثر على النتيجة.

فخلف الشعارات الرسمية عن “الانضباط” و”مكافحة المخدرات”، تتكشف وقائع موجعة لموظفين أفنوا أعمارهم في العمل، قبل أن يجدوا أنفسهم مطرودين من وظائفهم، محاصرين بالديون، وموصومين اجتماعيًا، بينما تتنصل الجهات الحكومية من مسؤوليتها عن الأخطاء الإجرائية والنتائج المتضاربة.

اليوم، وبعد سنوات من تطبيق القانون، لم يعد الجدل يدور فقط حول عدالته، بل حول دستوريته أصلًا، في ظل تصاعد الحراك القضائي والنقابي والبرلماني المطالب بوقف هذا النزيف الاجتماعي.

 

موظفون على حافة الخراب.. من الترقية إلى الفصل والتشريد

 

قصة فتحي محمد، الموظف بشركة “بتروتريد” للخدمات البترولية، تختصر الوجه الأكثر قسوة لهذا القانون.

الرجل كان يستعد لخطوة مهنية جديدة بالتثبيت على درجة رئيس قسم، بعد 22 عامًا من العمل، فإذا به يُفاجأ بإنهاء خدمته وحرمانه من مستحقاته، لا بسبب تقصير وظيفي أو فساد إداري، وإنما بعد أزمة بدأت داخل مركز “السهام” التابع لوزارة البترول أثناء إجراء تحليل المخدرات، أحد شروط الترقية. فتحي يقول إنه سلّم عينة البول في الموعد المحدد، وكان ينتظر النتيجة أسفل المبنى، قبل أن يُفاجأ باتهامه بالغش والامتناع عن التحليل.

وبعد مشادة نشبت عقب إبلاغه بقرار اللجنة الطبية، غادر المكان من دون التوقيع على المحضر، لكنه واصل العمل معتقدًا أن الأمر سيُعاد فحصه، غير أن الشركة أصدرت بعد عشرة أيام قرارًا بفصله نهائيًا، بدعوى ثبوت إيجابية العينة.

 

هكذا، وبقرار إداري خاطف، انتقل موظف كان يطمح للترقي إلى صفوف العاطلين، ليصبح واحدًا من آلاف خسروا مصدر رزقهم الوحيد وسمعتهم أيضًا، تحت مظلة قانون مرّ أصلًا في سياق حملات استهدفت سائقي الحافلات بعد حوادث دامية، ثم جرى توسيعه ليضرب موظفي الدولة والهيئات بشكل دوري، وكأن الحكومة قررت أن تعالج أزمة المخدرات عبر المقصلة الوظيفية لا عبر العدالة الطبية والقانونية.

 

الأثر الإنساني لهذه السياسات يتجلى بوضوح في رحلة فتحي بعد الفصل. فمنذ صدور القرار النهائي في مايو 2024، بدأ معركة قضائية طويلة لاستعادة وظيفته، انتهت إلى محكمة النقض بعد رفض دعواه.

خلال قرابة عامين، اضطر لبيع سيارته الخاصة لسداد ديونه المتراكمة والإنفاق على أسرته المكوّنة من أربعة أفراد، بينهم ابن في الجامعة وآخر في الإعدادية.

واليوم، يقول الرجل البالغ من العمر 47 عامًا إنه قضى نصف عمره تقريبًا في الشركة، ويعاني أيضًا من انزلاق غضروفي منعه من العثور على عمل بديل، معتبرًا العودة إلى وظيفته “فرصته الوحيدة في الحياة”.

 

وإذا كانت مأساة فتحي قاسية، فإن حالة محمد صابر، الموظف بشركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، تكشف جانبًا آخر من عبث التطبيق.

صابر، الذي يعاني من مرض نفسي منذ عام 2013 ويتلقى العلاج في مستشفى جمال ماضي أبو العزايم للطب النفسي، فُصل من عمله في أغسطس 2023 بعد تحليل روتيني ثبتت فيه إيجابية العينة.

لكن الرجل لم يتوقف عن محاولة إثبات أن الأدوية النفسية التي يتناولها هي سبب النتيجة.

وبالفعل، تشكلت لجنة ثلاثية، وأُجري له تحليل جديد تحت إشراف صندوق علاج ومكافحة الإدمان، وثبتت سلبية العينة. رغم ذلك، رفضت الشركة القابضة للكهرباء الاعتراف بالنتيجة، في مشهد يكشف أن بعض الجهات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن تثبيت قرار الفصل بأي ثمن.

وخلال هذه الفترة، استُنزفت مدخرات الرجل، وتوقّف راتبه، وأصبح يعتمد على محل أدوات كهربائية خاص به يواجه هو الآخر خسائر وديونًا متراكمة، فيما يهدد المستقبل التعليمي لأبنائه الثلاثة.

 

قانون مشوب بالعوار.. نتائج متضاربة، إجراءات مرتعشة، وشبهات عدم دستورية

 

الشكوك في نتائج التحاليل لم تعد مجرد ادعاءات فردية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من ملف القانون. حازم الكظم، الموظف بقطاع البترول في شركة “كار جاس”، يروي أنه خضع لتحليل آخر في جهة حكومية بعد يومين فقط من التحليل الذي أجراه في مستشفى السهام، فجاءت النتيجة الجديدة سلبية، بعكس النتيجة الأولى الإيجابية. بالنسبة له، لا تفسير منطقيًا لهذا التضارب سوى احتمال اختلاط العينات، خصوصًا مع خضوع أعداد كبيرة من الموظفين للفحوص الطبية في توقيت واحد.

والرجل، الذي قضى 16 عامًا في الخدمة وكان يستعد هو الآخر للترقي، يطرح سؤالًا يهز الرواية الرسمية من أساسها: لماذا سيتعاطى الحشيش أو الترامادول وهو على أبواب ترقية والتحليل معروف سلفًا وليس فجائيًا؟ وكيف تتحول العينة من إيجابية إلى سلبية خلال يومين فقط إذا كانت النتيجة الأولى صحيحة؟

بعد فصله، لم يجد سوى سيارته الخاصة لينقذ بها أسرته، فبات يعمل على تطبيقات النقل الذكي ليلًا ونهارًا لتأمين احتياجات زوجته وأبنائه الثلاثة، في ظل انزلاق أسر “مستورة” كاملة إلى خط الفقر بسبب هذا “الذبح الوظيفي”.

 

ورغم هذا الخراب، لا يطالب المتضررون بإلغاء القانون بالكامل بقدر ما يطالبون بضمانات حقيقية: إعادة التحليل، وإجراؤه في مستشفيات حكومية معتمدة وتحت إشراف الطب الشرعي، وإلغاء الاعتماد الأعمى على التحاليل الاستدلالية الضعيفة.

 

وقد منحت بعض الأحكام القضائية بصيصًا محدودًا من العدالة، حين أنقذت مفصولين بسبب أخطاء في الإجراءات. فمحاسب بمستشفى شرم الشيخ استطاع إثبات عدم توقيع ممثل مصلحة الطب الشرعي على نتيجة التحليل، كما نجا عامل بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بالإسكندرية من المصير نفسه بسبب خطأ إجرائي مماثل، وأمرت المحكمة بإعادته. هذه الأحكام لم تفضح فقط هشاشة التطبيق، بل فتحت الباب أمام المحامي مصطفى زكي لإيداع أول طعن دستوري على القانون، وحددت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا جلسة جديدة لنظره في أبريل المقبل.

 

زكي يصف القانون بأنه تسبب في مآسٍ اجتماعية واسعة، بعدما أتاح فصل آلاف الموظفين استنادًا إلى تحليل فجائي واستدلالي بعينات بول، من دون ضمانات كافية، ومن دون عرض قرارات الفصل على المحكمة المختصة، ومن دون تمكين العمال من التقاضي الطبيعي أمام المحكمة العمالية. كما ينتقد غياب التدرج في العقوبة، وعدم اشتراط أن يكون التعاطي أثناء العمل أو مؤثرًا على بيئة العمل، فضلًا عن عدم تحديد نسبة المخدر في الجسم ومدى كفايتها لتبرير الفصل. الأخطر، بحسبه، أن القانون حصر التحليل في البول، لا الدم الأكثر دقة، وأن التحليل التوكيدي يُجرى من العينة ذاتها بدلًا من أخذ عينة جديدة من الموظف، ما يفتح الباب واسعًا أمام الشكوك والتجاوزات.

 

الغضب يتسع.. نقابات وبرلمان في مواجهة قانون العقاب الجماعي

 

هذا الفشل التشريعي والإداري فجّر اعتراضات حقوقية وعمالية واسعة منذ صدور القانون، ووصل الأمر أحيانًا إلى القبض على منظمي الاحتجاجات وحبسهم. لكن مع بداية الفصل التشريعي الجديد لمجلس النواب، عاد الملف إلى الواجهة عبر طلبات إحاطة ومناقشات حول الأثر التشريعي للقانون، بعد أن تبيّن أنه لم يحمِ الدولة بقدر ما دمّر حياة آلاف الأسر.

 

اللافت أن محمد سعفان، وزير القوى العاملة الأسبق الذي أُقر القانون في عهده، أصبح اليوم رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، ويقود من موقعه مراجعة الأثر التشريعي للقانون نفسه. وفي تعقيبه، تمسك سعفان بفلسفة القانون، لكنه أقر بالحاجة إلى مراجعة بعض أحكامه، مثل منح الموظف الذي تثبت إيجابية عينته فرصة أولى عبر الإيقاف المؤقت والإنذار، ومد مهلة تصل إلى 90 يومًا لإعادة الفحص، على أن يُفصل فقط إذا تكررت النتيجة. وهذا الإقرار، في جوهره، اعتراف متأخر بأن النص الحالي بالغ في القسوة وافتقر إلى الحد الأدنى من العدالة.

 

على المستوى النقابي، يذهب كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إلى أبعد من ذلك، إذ يصف القانون 73 بأنه “جريمة اجتماعية”، ويرى أن تطبيقه شرّد آلاف الأسر ونسف فكرة الأمان الوظيفي، كاشفًا عن نهج حكومي أقرب إلى العقاب الجماعي منه إلى الإصلاح. ومن هنا تتبنى الدار حملة “العلاج قبل العقاب”، مطالبة بمسار علاجي وتأهيلي قبل إنزال العقوبة، بدلًا من سياسة الفصل الفوري التي تحطم العامل وأسرته معًا.

 

حتى اتحاد العمال الرسمي، المحسوب تقليديًا على الدولة، انضم إلى هذا الاتجاه. فمجدي بدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أعلن بوضوح أن القانون يجب إعادة النظر فيه لأن الهدف يجب أن يكون الإصلاح لا الانتقام، مقترحًا استبدال الفصل الفوري بعقوبات أخف، مثل الوقف المؤقت أو خصم جزء من الراتب وإعادة التحليل قبل اتخاذ قرار نهائي.

 

وفي البرلمان، تقدمت النائبة نشوى الشريف بمقترح تعديل يحمل توقيع عُشر أعضاء مجلس النواب، بهدف تحقيق توازن بين مواجهة تعاطي المخدرات وضمان حقوق العاملين. وتشمل التعديلات المقترحة مد ميعاد التظلم وطلب التحليل التوكيدي، وتنظيم إجراءات الوقف الاحتياطي، وضمان سرية البيانات الصحية، ووضع ضوابط أدق لسحب العينات وتحليلها. لكن النائبة سناء السعيد تلفت إلى أن تعديلات مماثلة سبق أن رفضتها الحكومة وساندها نواب الأغلبية، ما يعني أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في الإرادة السياسية نفسها.

 

في النهاية، يبقى هذا الحراك النقابي والبرلماني والقضائي هو نافذة الأمل الوحيدة أمام فتحي محمد، وحازم الكظم، ومحمد صابر، وآلاف غيرهم ممن سحقتهم آلة حكومية اختارت العقاب بدل الإنصاف. فالقضية لم تعد مجرد قانون يحتاج إلى تعديل، بل امتحان صارخ لمدى استعداد الدولة للتخلي عن منطق البطش الإداري، والاعتراف بأن الوظيفة ليست منحة من الحكومة، بل حق لا يجوز مصادرته بتحليل مشكوك فيه وإجراءات معيبة وحسابات بلا رحمة.