خرج المصريون من رمضان هذا العام محمّلين بفواتير مؤجلة أكثر من أي وقت قريب، لا لأن الدخول تحسنت أو لأن السوق هدأت، بل لأن الأسر دفعت استهلاكها إلى الأمام عبر القروض والبطاقات وخطط الشراء الآن والسداد لاحقًا، في وقت سجل فيه التضخم الحضري السنوي 13.4% في فبراير 2026، مع قفزة شهرية 2.8%، بينما أعلن جهاز الإحصاء ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين على مستوى الجمهورية 2.7% في فبراير وحده، وهي أرقام تشرح لماذا صار الاقتراض وسيلة للبقاء لا مجرد أداة للشراء.

 

الاقتراض بدل الدخل

 

الضغط لم يبدأ في رمضان وينتهي معه، لكنه يتكثف فيه بوضوح، لأن الشهر يرفع إنفاق الأسر على الغذاء والملابس والعزومات والتنقلات، بينما الأجور ثابتة تقريبًا والقدرة الشرائية متآكلة، فيصبح الحل الأسرع هو تأجيل الدفع وليس حل الأزمة، وهو ما تكشفه أرقام سوق التمويل الاستهلاكي التي أظهرت أن 761.4 ألف عميل حصلوا في يناير 2025 وحده على تمويلات بقيمة 5.5 مليار جنيه، بزيادة 190.8% في عدد العملاء مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

 

هذا المسار لم يعد هامشيًا أو مقصورًا على شراء سلعة معمرة كل عدة سنوات، بل صار قناة يومية لتمويل الاستهلاك العادي عند قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة وما دونها، ثم تضخم أكثر خلال 2025، إذ أعلن الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي أن قيمة التمويل خلال أول 10 أشهر من 2025 بلغت 74.98 مليار جنيه مقابل 47.45 مليار جنيه في الفترة نفسها من 2024، مع صعود عدد العملاء من 3.27 مليون إلى 9.25 ملايين عميل، وهي قفزة تفضح اتساع الاعتماد على الدين لتغطية نفقات الحياة.

 

هنا يضع الخبير الاقتصادي مدحت نافع الإصبع على جوهر الخطر، إذ يقول إن التركيز على الأرقام الخاضعة لرقابة الهيئة المالية وحدها قد يحجب حجمًا أكبر للتمويل الاستهلاكي الفعلي داخل الاقتصاد، ويحذر من أن استمرار هذا التوسع قد يقود إلى ما يشبه فقاعة ديون استهلاكية، أو كما وصفه في تصريح آخر إلى مسار قد ينتج مجتمعًا من الغارمين، لأن المواطن يحافظ على نمط إنفاق قديم بدخل فقد جزءًا معتبرًا من قيمته.

 

التقسيط يتمدد ويغيّر شكل السوق

 

السوق نفسها تغيّرت بسرعة، فالتقسيط لم يعد خدمة جانبية في معارض الأجهزة والسيارات، بل صار بنية مالية رقمية كاملة، تدفع المستهلك إلى الشراء بضغطة على الهاتف ثم تتركه يواجه أقساطًا متراكمة لعدة أشهر أو سنوات، بينما تستفيد الشركات من اتساع قاعدة العملاء وتآكل الحساسية الفورية تجاه السعر، لأن المستهلك لا يرى التكلفة كاملة وقت الشراء بل يراها مقسمة على دفعات صغيرة تبدو محتملة في البداية.

 

لكن هذا التوسع لا يسير في خط آمن بالكامل، فمحمد الفقي الرئيس التنفيذي لشركة عاملة في الشراء الآن والدفع لاحقًا قال إن ظاهرة “التسييل النقدي” شوّهت مؤشرات القطاع ورفعت التعثر، موضحًا أن بعض العمليات لا تعكس شراءً حقيقيًا بل تحويل التمويل إلى سيولة نقدية عبر وسطاء، وأن العميل قد يحصل فعليًا على مبلغ أقل بكثير مما يلتزم بسداده لاحقًا، وهو ما يعني أن جزءًا من السوق لم يعد يمول سلعة بقدر ما يمول عجزًا نقديًا مباشرًا بثمن باهظ.

 

الخطير هنا أن شهرًا مثل رمضان لا يخلق هذه الممارسة من فراغ، لكنه يمنحها دفعة قوية، لأن الأسرة التي تحتاج سيولة عاجلة للطعام والالتزامات الاجتماعية أو مصروفات ما قبل العيد تجد في حدود الشراء المتاحة بابًا سريعًا، حتى لو كان الثمن الحقيقي أعلى بكثير من المبلغ الذي دخل يدها، وهكذا يتحول التقسيط من أداة تنظيم للإنفاق إلى قنبلة مؤجلة في ميزانية البيت، تتفجر بعد انطفاء زينة الموسم.

 

خبراء بين التهوين والتحذير

 

في المقابل، يرفض سعيد زعتر رئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي خطاب الفقاعة، ويقول إن النمو طبيعي وأن متوسط القرض في هذا النشاط يدور حول 30 ألف جنيه، مع بقاء معدلات التعثر بين 3% و4% فقط، ويرى أن التوسع مدفوع بالبنية الرقمية وتحسن التنظيم الرقابي ودخول شرائح جديدة إلى المنظومة الرسمية، وهي حجة تعكس رؤية القطاع لنفسه كمسار منظم لا كسوق منفلتة.

 

غير أن هذا الدفاع، حتى لو صح جزئيًا من زاوية الشركات، لا يبدد السؤال الأهم اجتماعيًا، وهو ماذا يعني أن ملايين العملاء باتوا يحتاجون إلى الدين لتمويل احتياجاتهم الأساسية أو شبه الأساسية، وماذا يعني أن التضخم ما زال يلتهم الدخل بينما الأعباء تتوزع على أقساط ممتدة، فالخطر ليس فقط في انهيار شركات التمويل، بل في استنزاف الأسر نفسها وتحويل شهور ما بعد المواسم إلى فترات سداد وعجز وتنازل عن احتياجات لاحقة.

 

الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح يربط المشهد من زاوية أخرى، إذ يرى أن تراجع التضخم النسبي وقرارات خفض الفائدة في 2025 يفتحان الباب أمام مزيد من التوسع الائتماني، وهذا قد يريح الشركات والبنوك، لكنه لا يعني بالضرورة راحة الأسر، لأن خفض تكلفة التمويل لا يحل أزمة الدخل الحقيقي، بل قد يشجع على اقتراض إضافي عند شرائح تبحث أصلًا عن متنفس سريع، لا عن استثمار منتج أو زيادة مستدامة في القدرة الشرائية.

 

هكذا خرج كثير من المصريين من موسم رمضان، ليس بميزانية أعادت ترتيب نفسها، بل بفاتورة مؤجلة جرى ترحيلها إلى الشهور التالية، قرض فوق قرض، وقسط فوق قسط، واستهلاك جرى إنقاذه بالدين لا بالدخل، وبينما تتحدث الشركات عن نمو السوق وتتحدث الجهات الرسمية عن تنظيمه، يبقى المعنى الأوضح في البيوت نفسها، دخل لا يكفي، وأسعار لا تهدأ، ومواسم تتحول بالتدريج إلى ماكينة جديدة لإنتاج المديونية الاستهلاكية.