تسلب الحرب عيد غزة من أيدي الأطفال قبل أن يبدأ، وتحوّل المناسبة التي يفترض أن ترتبط بالملابس الجديدة والعيدية ولمّة العائلة إلى يوم ثقيل داخل خيمة أو مركز إيواء أو بين أنقاض بيت لم يعد قائمًا. الصورة هنا ليست مجازًا صحفيًا. اليونيسف تقول إن أكثر من 64,000 طفل في غزة قتلوا أو أُصيبوا منذ أكتوبر 2023، وإن أكثر من 56,000 طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، بينما صار النزوح والصدمة وسوء التغذية جزءًا من الحياة اليومية للطفولة في القطاع. في هذا المشهد لا يدخل العيد على الأطفال كفرصة للبهجة، بل كموعد إضافي لتذكّر الغياب والخسارة وانكسار المعنى نفسه.

 

ما يظهر في زاوية الأطفال أكثر قسوة من أي عنوان عام عن الحرب، لأن الطفل لا يقرأ بيانات القصف ولا يتابع خرائط التفاوض، لكنه يلتقط النتيجة مباشرة. ينام في مكان مؤقت. يصحو وسط خوف متكرر. يبحث عن أب أو أم أو غرفة أو لعبة لم تعد موجودة. وفي فبراير 2026 عرضت اليونيسف خلاصات مبادرة شارك فيها 1,603 أطفال من غزة، إلى جانب أكثر من 11,000 طفل عبّروا بالرسم والأنشطة الإبداعية عن أولوياتهم، فكان المطلب الأوضح هو البيت الآمن والمدرسة والمستشفى والمكان الذي يمكن النوم فيه بلا رعب. هذا وحده يكشف كيف تغيّرت أسئلة الأطفال، وكيف تراجع سؤال العيد لصالح سؤال الحماية والبقاء.

 

العيد في الخيام لا يشبه العيد

 

يوم العيد في مراكز النزوح والخيام لا يُقاس بعدد الزيارات ولا بملابس الأطفال، بل بمقدار ما يمكن للأسرة أن تمنع به الانهيار النفسي لساعات قليلة. الأونروا أفادت في تقاريرها الأخيرة أن عشرات الآلاف من الأطفال ما زالوا يتلقون أنشطة تعليمية داخل الملاجئ الجماعية، وأن الوكالة قدّمت منذ بداية الحرب مئات آلاف جلسات الدعم النفسي والاجتماعي، بينها خدمات واسعة لأطفال يعيشون داخل مواقع نزوح ومرافق تحوّلت من مدارس إلى أماكن إيواء. هذه الأرقام لا تعني تحسنًا حقيقيًا بقدر ما تعني أن الكارثة اتسعت إلى درجة صار معها أي نشاط نفسي أو تعليمي مجرد محاولة لوقف التدهور لا لاستعادة الحياة الطبيعية.

 

فيليب لازاريني مفوض الأونروا لخّص الصورة من داخل هذا الخراب حين قال في فبراير 2026 إن المدرسة التي كان الأطفال يتعلمون ويلعبون فيها صارت مكانًا مخيفًا وفوضويًا، وإن الأولوية يجب أن تكون لإعادتهم إلى التعلم ومعالجة الصدمة واستعادة الأمل. أهمية هذا الكلام أنه لا يصدر عن مراقب بعيد، بل عن مسؤول يقود أكبر شبكة خدمات للاجئين الفلسطينيين في غزة. وعندما تصبح المدرسة نفسها موقعًا للخوف بدل الحماية، يصبح العيد داخل الخيمة امتدادًا مباشرًا للحرب لا استراحة منها، ويغدو الطفل محاصرًا بالمعنى نفسه في أيام القصف وفي أيام المناسبة الدينية معًا.

 

الأسئلة تبدلت من العيدية إلى الغياب

 

الأكثر فداحة أن الحرب لم تسرق أشياء العيد فقط، بل سرقت اللغة التي يستقبل بها الأطفال العيد. جوناثان كريكس، رئيس التواصل في اليونيسف بفلسطين، قال في 24 فبراير 2026 إن الأطفال في غزة لا يطلبون أمورًا استثنائية، بل يطلبون أساسيات الطفولة نفسها، بيتًا آمنًا، ومدرسة حقيقية، وقدرة على النوم ليلًا، ومستشفيات لا تفوح منها رائحة الخوف. هذه ليست مطالب رفاه. هي الحد الأدنى الذي انكسر. لذلك فإن الطفل الذي فقد أباه أو أمه أو منزله لا يدخل العيد بسؤال الهدية، بل بسؤال النجاة، وسؤال من بقي، وسؤال أين البيت الذي كان يعرفه قبل الحرب.

 

في الشهادات التي جمعتها مبادرة اليونيسف نفسها، قالت طفلة في 15 من عمرها إن أكثر ما تتمناه هو حياة آمنة وبيت مستقر وغرفة خاصة ومدرسة جيدة، بينما تحدثت طفلة أخرى أُصيبت في الحرب عن خوفها كلما سمعت غارة جوية. هذا النوع من الإفادات يكشف أن العيد بالنسبة إلى آلاف الأطفال لم يعد مناسبة موسمية، بل لحظة تتكثف فيها المقارنة بين ما كان ينبغي أن يكون وما صار قائمًا فعلًا. الأم هنا لا تحاول فقط شراء قطعة حلوى أو ملابس بسيطة، بل تحاول قبل ذلك أن تمنع انهيار السؤال الأصعب عند الطفل، لماذا صار العيد مرتبطًا بالقبور والخيام والغياب أكثر من ارتباطه بالفرح.

 

الأمهات يخففن ما لا يمكن احتماله

 

المهمة الثقيلة تقع غالبًا على الأمهات ومَن بقي من مقدمي الرعاية، وهن لا يملكن في الغالب سوى الحد الأدنى من الأدوات. دراسة منشورة في مجلة منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط وثّقت حالات لأطفال في غزة ظهرت عليهم أعراض اضطراب انفعالي وانسحاب اجتماعي وحزن حاد وأرق وخوف متواصل بعد فقدان أقاربهم وتكرار النزوح والإصابات وانعدام الوصول المنتظم إلى الرعاية النفسية. الباحثون في الدراسة أكدوا أن هذه الحالات ليست معزولة، بل جزء من نمط أوسع تضاعفه الخيام وعدم الاستقرار وغياب الخدمات. معنى ذلك أن الأم التي تحاول تهدئة طفلها في العيد لا تواجه مزاجًا عابرًا، بل آثار صدمة مركبة ومستمرة بلا بيئة علاج كافية.

 

الطبيب النفسي الفلسطيني ياسر أبو جامع، مدير برنامج غزة للصحة النفسية، قدّم وصفًا مباشرًا لهذه الحالة عندما كتب في سبتمبر 2025 أن الرسم والألوان صارت وسيلة أساسية لفهم ما يعجز الأطفال عن قوله بالكلام، وأن صور الأطفال عن حياتهم قبل الحرب وبعدها تكشف انتقالهم من المدرسة واللعب والبالونات إلى النار والخيام وحمل المياه والبكاء. كما أشار إلى أن فرق البرنامج وصلت في 2024 إلى 40,000 شخص بخدمات الإسعاف النفسي الأولي، ثم واصلت في النصف الأول من 2025 التعامل مع عشرات الآلاف رغم تدمير المراكز والتنقل القسري. هذا الرأي يشرح كيف تحاول الأمهات التخفيف عن أطفالهن، بالاحتواء، وباللعب المرتجل، وبالكلام، وبأي وسيلة تبقي الطفل متماسكًا ولو جزئيًا، لأن العلاج المنظم نفسه صار ضحية للحرب.

 

هكذا يبدو العيد لطفل فقد أسرته أو منزله في غزة، ليس يوم فرح ناقص فقط، بل يوم يكشف حجم ما سُرق منه دفعة واحدة، الأب أو الأم، البيت، المدرسة، اللعبة، والإحساس البسيط بأن العالم مكان يمكن الوثوق به. اليونيسف تقول إن الأطفال يريدون طفولتهم back، والأونروا تقول إنهم يحتاجون العودة إلى التعلم واللعب، ودراسات الصحة النفسية تقول إنهم يعيشون عبئًا نفسيًا حادًا طويل الأثر. بين هذه الشهادات الثلاث يتضح جوهر المشهد، العيد في غزة لم يعد مناسبة تُنتظر، بل صار اختبارًا جديدًا لقدرة طفل محاصر ومفجوع ونازح على النجاة من يوم يفترض أصلًا أن يكون يومه.