تبتلع موجة الغلاء ما تبقى من قدرة الأسر المصرية على الحفاظ على واحد من أبسط طقوس العيد. شراء ملابس جديدة للأطفال لم يعد تفصيلًا عابرًا في نهاية رمضان.

 

صار عبئًا مباشرًا على بيت يطحنه التضخم من جهة وتلاحقه زيادات الوقود وكلفة النقل من جهة أخرى.

 

وفي 10 مارس 2026 أعلن البنك المركزي أن التضخم السنوي في المدن ارتفع إلى 13.4% في فبراير، بينما سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء زيادة شهرية قدرها 2.7% على مستوى الجمهورية.

 

هذه الأرقام لا تبقى في النشرات. هي تظهر فورًا على شماعات المحال وعلى وجوه الآباء أمام الفاترينة.

 

في الأسواق تبدو الصورة جارحة وواضحة. المعروض موجود. لكن الزبون يتراجع قبل أن يمد يده. السؤال الأول لم يعد عن الخامة أو الموديل أو بلد المنشأ. السؤال عن السعر فقط. رئيس شعبة الملابس الجاهزة في تصريحات نشرت 11 مارس قال إن السوق يعيش ركودًا وضعفًا في المبيعات رغم عروض وصلت في بعض الأحيان إلى 50% و70% خلال الأوكازيون. هذا يعني أن التخفيضات نفسها لم تعد كافية لدفع المستهلك إلى الشراء.

 

سوق ممتلئ وزبون عاجز

 

هذا التحول في سلوك الشراء ليس تفصيلًا موسميًا. هو تعبير مباشر عن تآكل القوة الشرائية داخل البيت المصري. الأسر التي كانت تدخل السوق لتشتري طقمين أو 3 لكل طفل، باتت تحسب القطعة بالورقة والقلم. أسرة تؤجل البنطال. أخرى تستبدل الحذاء بقميص. وثالثة تخرج من المحل بعد جولة طويلة بلا شراء. وبين فاتورة الطعام وفاتورة العيد، تخسر الكسوة أولًا لأن الدخل لم يعد يحتمل الاثنين معًا.

 

وفي قلب هذه الصورة يضع محمد فايد، رئيس شعبة الملابس الجاهزة، تفسيرًا مهنيًا لا يحمل أي تجميل. الرجل يقول إن أداء السوق ضعيف على مدار العام، وإن حركة البيع ترتبط بالمواسم فقط، وإن ارتفاع الدولار وأسعار الوقود يضغط على تكاليف القطاعات المختلفة لا الملابس وحدها. معنى ذلك أن موسم العيد الذي كان ينقذ التجار صار موسمًا مرتبكًا. البضاعة موجودة. لكن المشترى نفسه يتآكل.

 

الأكثر قسوة أن الأزمة تضرب الأسر الكبيرة بعنف مضاعف. كل طفل إضافي يعني عبئًا جديدًا في بيت دخله ثابت أو متراجع فعليًا أمام الأسعار. هنا لا تعود المقارنة بين قطعة جيدة وأخرى أقل جودة. المقارنة تصبح بين شراء ملابس العيد أصلًا أو الاكتفاء بضروريات المطبخ. لذلك تتوسع حركة البحث عن الأرخص. أسواق شعبية. معارض تصفية. بقايا أوكازيون. وأحيانًا لا يبقى إلا حل واحد مؤلم وهو تأجيل الشراء بالكامل.

 

الغلاء لا يضرب السوق وحده

 

الضغط لا يبدأ من محل الملابس فقط. في 10 مارس 2026 دخلت زيادات الوقود الجديدة المشهد، ومعها تحذيرات من انتقال الأثر سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات. الخبير المالي محمد ماهر قال إن الوقود هو المحرك الأساسي لكافة السلع، وإن انعكاسات الرفع ستظهر بوضوح في أرقام التضخم المقبلة، خصوصًا مع ضغوط رمضان والاستهلاك الموسمي. هذا التقدير يفسر لماذا يشعر المواطن أن الأسعار تسبقه كلما حاول اللحاق بها.

 

ومن زاوية أخرى توقعت تقديرات اقتصادية منشورة بعد قرار الوقود أن ترتفع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة بين 2 و3 نقاط مئوية، مع احتمال وصولها إلى 15% أو 16% إذا استمرت الضغوط الحالية. هذا ليس رقمًا نظريًا بالنسبة لأسرة تستعد للعيد. معناه ببساطة أن كل رحلة إلى السوق تصبح أكثر كلفة من الأسبوع السابق، وأن أي محاولة للادخار قبل المناسبة يمكن أن تذوب قبل موعد الشراء نفسه.

 

هنا يتضح سبب انصراف الأسر عن الملابس الكاملة والماركات المعروفة. لم يعد هناك هامش يسمح بالاختيار المريح. البديل الأرخص يفرض نفسه حتى لو كان أضعف عمرًا وأقل جودة. وما كان يسمى من قبل شراءً احتفاليًا تحول إلى شراء دفاعي. الهدف لم يعد إسعاد الطفل بما يحب. الهدف فقط أن يخرج يوم العيد في شيء جديد بأقل خسارة ممكنة للأسرة. وهذه نقلة اجتماعية واقتصادية فادحة لا يمكن فصلها عن الانكماش المتواصل في الدخل الحقيقي.

 

العيد تحت ضغط العجز الاجتماعي

 

لكن الخسارة هنا ليست مالية فقط. الدكتورة نسرين فؤاد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الأزهر، لفتت إلى أن الأسر تدخل الأيام الأخيرة من رمضان وهي مطالبة بالتخطيط وفق إمكانياتها الاقتصادية لتجنب ضغوط الأسعار، مع ضرورة تحديد الأولويات مبكرًا لتقليل التوتر. أهمية هذا الكلام أنه يكشف انتقال الأزمة من الجيب إلى المناخ النفسي داخل البيت. حين تصبح الكسوة ملفًا قابلًا للتأجيل أو الشطب، يتغير معنى العيد نفسه داخل الأسرة.

 

في بيوت كثيرة لا ينتهي الأمر عند قرار اقتصادي جاف. ينتهي بمفاوضة يومية مع الأطفال. هذا يأخذ قطعة ويؤجل أخرى. وهذه ترتدي ملابس العام الماضي مع محاولة تجميل الحكاية بالكلام. وهنا تظهر قسوة الأزمة الحقيقية. الأسرة لا تعجز عن سلعة كمالية. هي تعجز عن طقس راسخ في الوجدان الشعبي، كان يمثل الحد الأدنى من البهجة الجماعية. لذلك فإن تراجع كسوة العيد ليس مشهدًا استهلاكيًا عابرًا. هو علامة مكثفة على اتساع الضيق المعيشي وعلى وصول الأزمة إلى أكثر التفاصيل التصاقًا بالكرامة اليومية للمصريين.