قال نيت سوانسون، مسؤول الملف الإيراني بوزارة الخارجية الأمريكية سابقًا، إنه من المرجح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرغب في إعلان النصر على إيران قريبًا، بعد أن تعرض الجيش الإيراني لهزيمة ساحقة. 

 

لكنه أوضح في مقال نشرته مجلة الشؤون الخارجية "فورين أفيرز"، أن ترامب لا يستطيع إجبار حكومة ترفض الاستسلام، "فحتى بعد الخسائر الفادحة التي لحقت بالجيش الإيراني، يمتلك النظام الذي أسسه خامنئي دوافع قوية لمواصلة الصراع، ويحتفظ بمجموعة متنوعة من الأدوات اللازمة لخوض حرب استنزاف".

 

وعلى ضوء ذلك، أشار إلى أن الحرب تتجه نحو نقطة تحول حاسمة، حيث تبدو جميع الخيارات المتاحة سيئة، وللموافقة على وقف إطلاق النار، ستطالب طهران على الأرجح بضمانات من الولايات المتحدة بتقييد الضربات الإسرائيلية المستقبلية على إيران. 

 

وعلى الرغم من إشارته إلى أن ترامب لا يزال يملك نفوذًا كبيرًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نظرًا لاعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأمريكية، لكنه قال إن "هذا الطلب يبقى صعبًا للغاية. وقريبًا جدًا، سيواجه الرئيس الأمريكي خيارًا بين تصعيد الحرب غير الشعبية، أو إنهائها بانتزاع تنازل من إسرائيل قد تصوّره إيران على أنه انتصار".

 

عواقب غير مقصودة


وفي الوقت الذي أشاد فيه سوانسون بما وصفها بـ "براعة الهجوم المشترك مع إسرائيل من الناحية التكتيكية"، لكنه أوضح أنه "لا يزال النجاح الاستراتيجي بعيد المنال بالنسبة للولايات المتحدة. فقد شنّ ترامب حربًا على بلد يبلغ تعداد سكانه 92 مليون نسمة دون خطة واضحة لما سيحدث بعد توقف إطلاق النار". 

 

وذكر أن ترامب أعلن في البداية أن النصر سيتحقق إذا انتفض الشعب الإيراني وأطاح بالجمهورية الإسلامية بنفسه، وهو ما وصفه بأنه "طلب غير واقعي وغير معقول"، مشيرًا إلى أنه "لم تسفر حملة القمع الوحشية التي شنّها النظام في يناير عن أي انشقاقات تُذكر من النظام أو الأجهزة الأمنية، وقد أظهر قادة الحكومة بالفعل استعدادهم لقتل أي عدد من أبناء شعبهم للبقاء في السلطة".

 

وكشف سوانسون أنه إبان عمله كمدير لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي في عام 2023، حضر اجتماعًا دبلوماسيًا مع مسؤول إيراني في أعقاب احتجاجات واسعة. أقر خلاله المسؤول - الذي لم يذكر اسمه- بوجود معارضة شديدة للجمهورية الإسلامية. 

 

ومع ذلك، أشار إلى أنه حذّر من أن الولايات المتحدة لم تُدرك أن عددًا مماثلًا من الإيرانيين مستعدون للموت في سبيل النظام، ولفت إلى أن معظم الإيرانيين لا يطمحون إلا لحياة يومية أفضل، "وعلى الرغم من أنه لم يُفصّل الأمر بالأرقام، فقد بدأتُ أُفكّر في هذا الأمر كنسبة 20-20-60: عشرون بالمئة من الإيرانيين مُكرّسون لإسقاط الجمهورية الإسلامية، وعشرون بالمائة للحفاظ عليها، والباقي لحياة أفضل".

 

"قتل خامنئي هدية للنظام"

 

وتابع: "لطالما افترضتُ أنه بعد وفاة خامنئي، سيتحد الإيرانيون الراغبون في حياة أفضل مع المعارضين بشدة للجمهورية الإسلامية، وسيُجبرون قادة البلاد على سلوك مسار مختلف عن المسار الذي رسمه المرشد الأعلى. لكن المفارقة المُرّة تكمن في أن نهج الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الأخيرة منح خامنئي استشهادًا، وهو ما مثّل هدية للنظام، إذ صرف الأنظار عن إخفاقات الجمهورية الإسلامية. كما ساهم في تضخيم دور ابنه المتشدد، وحوّل تركيز الأمة نحو النجاة من هجوم خارجي". ورأى سوانسون أن "كل هذه النتائج تُهمّش الأغلبية الصامتة من الإيرانيين الذين لا يبتغون سوى قدر من الرفاهية".

 

وفي المستقبل، قال إن إيران لا تحتاج إلى تحقيق انتصارات عسكرية كبيرة يوميًا، "يكفي النظام إلحاق أضرار دورية كافية لإبقاء الشركاء الإقليميين والأسواق والرأي العام الأمريكي في حالة ترقب وقلق". 

 

وأوضح أنه "رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبحرية الإيرانية وفروع أخرى من الجيش، فإن الهجمات الدورية بطائرات بدون طيار على ناقلات النفط التي تحاول عبور مضيق هرمز كافية على الأرجح لإبقاء حركة الملاحة متوقفة في ممر ملاحي مسؤول عن خُمس إمدادات النفط العالمية".

 

وأردف: "لا شك أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة. فقد تُوحّد دول الخليج ضد طهران وتُؤدي إلى مزيد من التصعيد. كما أن إيران مُلزمة بالاحتفاظ ببعض القدرات الهجومية الاحتياطية. ولعل هذا ما يفسر عدم طلبها المزيد من الحوثيين في اليمن، أو شنّها هجمات إلكترونية واسعة النطاق، أو قيامها بأعمال إرهابية ضد المصالح الأمريكية خارج الشرق الأوسط. لكن من الواضح أن خامنئي راهن على أنه حتى في حال وفاته، فإن نظامه قادر على تحمّل خسائر أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة أو دول الخليج تحمّله".

 

وقال إنه "بإمكان ترامب مواصلة الحرب في إيران عبر الإصرار على حملته الجوية المدمرة. إلا أن هذه الاستراتيجية بدأت تفقد جدواها، إذ إن الجيش الأمريكي قد ضرب معظم أهدافه بالفعل". 

 

إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران

 

ورأى أن "البديل هو إرسال قوات برية أمريكية، وهو ما ينطوي على مخاطر جسيمة، وهو تحديدًا ما تعهد ترامب مرارًا وتكرارًا، كمرشح رئاسي، بعدم القيام به. لكنه قد يكون السبيل الوحيد لضمان استجابة النظام الإيراني لمطالبه". 

 

وفقًا له، "قد ينظر ترامب أيضًا في عمليات أصغر وأكثر استهدافًا تتعلق بالأمن البحري أو البرنامج النووي الإيراني. لكن هذه العمليات أيضًا ستشكل مخاطر كبيرة على الجنود الأمريكيين، ومن المرجح أن تستدعي ردًا انتقاميًا، مع احتمال ضئيل جدًا أن تؤدي إلى استسلام إيران".

 

وبدلاً من ذلك، قد يُوكل ترامب الحرب إلى جهات خارجية عبر تسليح الفصائل السياسية أو العرقية المعارضة للنظام في طهران، بحسب المسؤول السابق بمجلس الأمن القومي. 

 

لكنه وصف ذلك بأنه "سيكون بمثابة وصفة لكارثة: فتعبئة الأكراد أو أي جماعة انفصالية عرقية أخرى ستُبقي العديد من الإيرانيين المعارضين للنظام في بلادهم وتُشتت المعارضة". 

 

وتوقع أن "تُسفر هذه الخطوة عن مقتل عدد قليل من الجنود الإيرانيين، لكن من غير المرجح أن تُضعف بشكلٍ ملموس قدرة النظام على قمع المعارضة الداخلية. كما أنها ستُخاطر بتفاقم الصراع الإقليمي ودفع الهجرة الجماعية".

 

التوصل إلى وقف رسمي لإطلاق النار

 

واستطرد سوانسون: "لا يتبقى أمامنا سوى خيار واحد: محاولة التوصل إلى وقف رسمي لإطلاق النار. نظريًا، يستطيع ترامب ببساطة أن يعلن أن إضعاف الجيش الإيراني ومقتل خامنئي يُعدّان انتصارًا، ثم ينسحب". 

 

لكنه وصف هذا الأمر بأنه "أصعب مما يبدو. فهو لا يستطيع منع طهران من مهاجمة المصالح الأمريكية أو دول الخليج بشكل منفرد. تُفضّل إيران خوض حرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الآن على خوض حروب متكررة مع إسرائيل في السنوات القادمة. حتى لو انسحبت الولايات المتحدة من الحرب من جانب واحد، فإذا بدا الصراع الإيراني الإسرائيلي حتميًا في المستقبل، فمن المرجح أن تستمر إيران في استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن دول الخليج وبنية الطاقة التحتية".

 

وتابع سوانسون: "يتمثل الهدف الاستراتيجي الإيراني الآن في فرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة ودول الخليج، ما يدفع ترامب إلى اختيار وقف إطلاق النار الذي يتضمن تقييدًا للعمليات الإسرائيلية المستقبلية. باختصار، تريد إيران إجباره على الاختيار بين مصالح إسرائيل الأمنية واستقرار الأسواق العالمية". 

 

وخلص إلى أن "الحرب التي أشعلها ترامب لا نهاية سعيدة لها، ويبدو أن كل يوم يمر يؤخر مستقبلًا أفضل للشعب الإيراني. إنها مأساة لا يمكن أن يُدبّرها إلا خامنئي وترامب معًا".


https://www.foreignaffairs.com/united-states/how-americas-war-iran-backfired