تواصل أسعار اللحوم الحمراء في مصر تحليقها الجنوني، مسجلة قفزات جديدة تزيد من خنق المواطن المصري الذي يعاني أصلًا من غلاء طاحن في كل السلع. سجلت الأسواق، السبت 14 مارس 2026، زيادات متتالية في أسعار أغلب أصناف اللحوم.
هذه الارتفاعات ليست مجرد أرقام على شاشات بورصة الأسعار، بل هي انعكاس مباشر لفشل حكومي متراكم في إدارة ملف الأمن الغذائي وتوفير أبسط مقومات الحياة. المواطن بات يدفع ثمن سياسات اقتصادية عشوائية جعلت من كيلو اللحم رفاهية بعيدة المنال للأغلبية الساحقة من الأسر المصرية.
الضأن يواصل التحليق بعيدًا
بحسب البيانات الحكومية نفسها، قفز متوسط سعر كيلو اللحم الضأن إلى 442 جنيهًا. هذه الزيادة تبلغ نحو 19.25 جنيه في يوم واحد، وتتجاوز 9 جنيهات مقارنة بالأسبوع الماضي. وفي بعض المحافظات مثل الإسكندرية، وصل السعر إلى 500 جنيه للكيلو. هذه الأرقام تفضح زيف التصريحات الرسمية عن السيطرة على الأسواق. الحقيقة أن الحكومة تركت المواطن فريسة لغياب الرقابة وارتفاع تكاليف الإنتاج التي لا تتوقف عن التضخم.
أكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن الأزمة أعمق بكثير مما يظهر للمستهلك. وأوضح أن الفلاح والمربي يتحملان أعباء كارثية بسبب الارتفاع الجنوني في تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الأعلاف التي ارتفعت أسعارها بشكل غير مسبوق. وأشار أبو صدام إلى مفارقة مؤلمة؛ حيث قد تصل تكلفة إنتاج كيلو اللحم القائم على المربي إلى مستويات تجعله يضطر للبيع بخسارة أحيانًا بسبب ركود السوق. هذا الخلل الهيكلي تتحمل مسؤوليته حكومة عاجزة عن توفير الأعلاف بأسعار عادلة أو حماية صغار المربين من الإفلاس.
البتلو والكندوز خارج السيطرة
أسعار البتلو لم تكن أفضل حالًا، حيث سجلت قفزة مرعبة بمتوسط 446.43 جنيه للكيلو. الزيادة هنا بلغت أكثر من 30 جنيهًا مقارنة باليوم السابق، ونحو 38 جنيهًا على أساس سنوي. البتلو بالعظم وصل إلى 480 جنيهًا في بعض الأسواق. الكندوز الكبير انضم لقائمة الارتفاعات مسجلًا 388.5 جنيه بزيادة تتجاوز 35 جنيهًا. هذا الارتفاع الجماعي يؤكد أننا أمام أزمة منظومة كاملة وليس مجرد تقلبات مؤقتة في العرض والطلب.
هيثم عبد الباسط، رئيس شعبة القصابين، كشف عن واقع السوق بعيدًا عن الوعود الحكومية الوردية. وأوضح أن اللحوم البلدي تباع حاليًا بأسعار تتراوح بين 400 و450 جنيهًا للكيلو في المحلات الخاصة. ورغم إشارته إلى وجود لحوم في المجمعات الاستهلاكية بسعر 320 جنيهًا، إلا أن هذا السعر بحد ذاته يفوق قدرة الغالبية العظمى من المصريين. الاعتماد على المجمعات الاستهلاكية كمسكن للأزمة لم يعد يجدي نفعًا، خاصة مع تدني جودة بعض المعروض وعدم كفايته لتغطية احتياجات ملايين الأسر التي عزفت قسرًا عن الشراء.
تراجع وهمي وتضخم مستمر
التراجع الطفيف الذي سجلته أسعار لحم الكندوز المتوسط، بانخفاض لا يتجاوز قروشًا معدودة، لا يعدو كونه ذرًا للرماد في العيون. متوسط السعر استقر عند 406 جنيهات للكيلو، مع وصوله إلى 500 جنيه في مناطق عدة. هذا الانخفاض الوهمي لا يشعر به المواطن الذي يكتوي بنار التضخم في كل تفاصيل حياته. السياسات الحكومية الفاشلة جعلت التضخم وحشًا يلتهم أي زيادة في الدخول، ويحول حياة المصريين إلى صراع يومي من أجل البقاء.
وفي تحليل أشمل للأزمة، أكدت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذة الاقتصاد، أن الحكومة هي المسؤولة الأولى عن هذا الارتفاع الجنوني. وأرجعت الأزمة إلى قلة المراعي الطبيعية واعتماد مصر شبه الكلي على الأعلاف المستوردة عالية التكاليف. وأوضحت أن تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار لعب دورًا كارثيًا في مضاعفة أسعار اللحوم. وأضافت الحماقي بعدًا أخطر للأزمة، محذرة من خروج صغار المزارعين من منظومة الإنتاج لصالح احتكار كبار المستثمرين، مما ينذر بكارثة غذائية تهدد صحة الأجيال القادمة التي حُرمت من البروتين الحيواني.
هذه الأرقام والتصريحات تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن حكومة الانقلاب لا تملك رؤية ولا حلاً. هي تكتفي بإدارة الفشل وتصدير الأزمات للمواطن. اللحوم التي كانت يومًا ما ضيفًا أساسيًا على موائد المصريين، أصبحت اليوم حلمًا صعب المنال. وستظل الأسعار في تصاعد طالما استمرت هذه السياسات العقيمة التي تقتل الإنتاج المحلي وتعتمد على الاستيراد والحلول الترقيعية.

