تبدأ حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، صرف مستحقات مارس 2026 لمستفيدي برنامج «تكافل وكرامة» بالتزامن مع زيادة استثنائية قدرها 400 جنيه لكل أسرة، في خطوة تقدمها السلطة باعتبارها جزءًا من حزمة حماية اجتماعية لمواجهة الضغوط المعيشية. لكن قيمة الزيادة نفسها تطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه: هل يمثل هذا المبلغ استجابة حقيقية لارتفاع الأسعار، أم أنه مجرد إجراء محدود الأثر يُستخدم لاحتواء الغضب الاجتماعي أكثر مما يُستخدم لمعالجة أصل الأزمة؟
الحكومة تتحدث عن 4.7 مليون أسرة، بما يقارب 17 مليون مواطن، وتعرض الأرقام بوصفها دليلًا على اتساع التدخل الاجتماعي. غير أن اتساع عدد المستفيدين لا يجيب وحده عن سؤال الكفاية. فالأسر الفقيرة لا تتعامل مع البيانات الرسمية، بل مع أسعار الغذاء والدواء والمواصلات وفواتير المعيشة اليومية. وحين تكون الزيادة المعلنة أقل بكثير من وتيرة تآكل القوة الشرائية، يصبح الإعلان نفسه أكبر من أثره الفعلي على الأرض.
المعضلة الأساسية أن الزيادة تأتي في لحظة لا تزال فيها الأسعار تضغط بعنف على دخول الأسر الهشة. لذلك لا يبدو المبلغ المعلن قادرًا على تعديل ميزانية أسرة فقيرة تعديلًا حقيقيًا، بقدر ما يبدو محاولة لتمرير الحد الأدنى من التهدئة الاجتماعية في لحظة صعبة. فالسلطة تعترف بوجود غلاء ضاغط، ثم تقدم مبلغًا محدودًا لا يكفي في كثير من الحالات إلا لتغطية احتياجات أساسية لأيام قليلة، لا أكثر.
دعم معلن بالأرقام.. وأثر فعلي أصغر من الأزمة
لا خلاف على أن «تكافل وكرامة» يمثل ركيزة أساسية في شبكة الأمان الاجتماعي. البرنامج يستهدف الأسر الأكثر احتياجًا وكبار السن وذوي الإعاقة، ويوفر دعمًا نقديًا دوريًا يخفف جزءًا من الأعباء. لكن المشكلة هنا ليست في أصل البرنامج، ولا في مبدأ الدعم، بل في ضآلة الزيادة الجديدة مقارنة بما تقول الحكومة نفسها إنه موجة غلاء وضغوط معيشية تستوجب تدخلًا استثنائيًا.
حين تعلن السلطة زيادة 400 جنيه لكل أسرة، فهي تراهن على القيمة الرمزية والسياسية للقرار بقدر ما تراهن على أثره المعيشي. فالرقم في ذاته يبدو محدودًا جدًا إذا وُضع داخل سلة الإنفاق الفعلي لأسرة من 4 أفراد. الغذاء وحده يلتهم الجزء الأكبر من أي دخل متواضع. وإذا دخلت تكلفة الدواء والانتقالات والالتزامات الأساسية في الحساب، فإن الزيادة تتقلص بسرعة إلى حد يجعلها عاجزة عن خلق هامش أمان حقيقي.
هذا ما يجعل الفجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي. الحكومة تتحدث عن الحماية الاجتماعية، بينما الأسر تقيس الأمور بما تستطيع شراءه فعلًا. وما تستطيع 400 جنيه شراءه اليوم أقل بكثير من أن يُقدَّم بوصفه معالجة جدية لغلاء متواصل. لذلك فإن الزيادة تبدو أقرب إلى دعم إسعافي محدود لا إلى سياسة اجتماعية قادرة على امتصاص أثر التضخم على الفئات الأشد فقرًا.
خبراء: الخطوة ضرورية اجتماعيًا.. لكنها لا تكفي اقتصاديًا
الخبير الاقتصادي هاني توفيق سبق أن ربط أي تحسن فعلي في القوة الشرائية بزيادة الإنتاج والاستثمار والتشغيل، لا بالحلول النقدية وحدها. أهمية هذا الطرح هنا أنه يضع حدودًا واضحة لأي زيادة مالية مباشرة. فحين ترتفع الأسعار بوتيرة مستمرة، تفقد المساعدات النقدية جزءًا من قيمتها سريعًا، وتتحول من أداة تحسين نسبي إلى مجرد تعويض جزئي لا يصمد طويلًا.
فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، يدافع عن التوسع في الدعم النقدي باعتباره اتجاهًا تتبناه الدولة في إدارة ملف الحماية الاجتماعية. لكن حتى هذا الدفاع لا يحسم جوهر المسألة. فالدعم النقدي قد يكون أداة مهمة، نعم، لكنه يظل محدود الأثر إذا كانت قيمته أقل من اتساع الضغوط المعيشية. الدفاع عن الآلية لا يعني أن المبلغ الحالي كافٍ، ولا أن الأسر الفقيرة يمكنها الصمود به أمام سوق يواصل الارتفاع.
أما زياد بهاء الدين فقد لفت إلى نقطة أكثر مباشرة، حين ربط تخفيف العبء الحقيقي عن المواطنين بشرطين متلازمين: كبح التضخم، ورفع الأجور والدخول بصورة حقيقية. هذا التقدير ينسف أي محاولة لتقديم الزيادة باعتبارها حلًا قائمًا بذاته. لأن المشكلة ليست فقط في وصول مبلغ إضافي إلى الأسر، بل في قدرة هذا المبلغ على الاحتفاظ بقيمته داخل بيئة اقتصادية تلتهم فيه الأسعار كل زيادة قبل أن تتحول إلى أثر ملموس.
التضخم يبتلع الدعم قبل أن يتحول إلى حماية
الأزمة، في جوهرها، أن الدعم النقدي المحدود يدخل إلى سوق لا يرحم. ومع كل ارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، تتراجع القيمة الفعلية لأي مبلغ ثابت. وهذا يعني أن الـ400 جنيه لا تُقاس بما تعلنه الحكومة، بل بما تبقى منها بعد الاصطدام بأسعار السلع الأساسية. وهنا يظهر الضعف الحقيقي في القرار: مبلغ محدود، في لحظة غلاء ممتد، داخل اقتصاد لا يزال عاجزًا عن منح الفئات الفقيرة حماية مستقرة.
الأسوأ أن السلطة تقدم الزيادة وكأنها استجابة كافية لظرف استثنائي، بينما الوقائع تقول إنها لا تتجاوز كونها إجراءً مؤقتًا لتخفيف الضغط المباشر. هذا النوع من القرارات قد ينجح في تخفيف أثر لحظي، لكنه لا يوقف التآكل المستمر في مستوى المعيشة. لذلك فإن الإعلان عن الدعم يبدو، في قيمته السياسية والإعلامية، أكبر من قيمته الاقتصادية الفعلية بالنسبة للأسر المستفيدة.
المحصلة أن 400 جنيه قد تساعد، لكنها لا تكفي. قد تؤجل جانبًا من الضيق، لكنها لا تواجه أصل الغلاء. وقد تمنح السلطة مساحة لتقول إنها تدخلت، لكنها لا تمنح الأسرة الفقيرة حماية حقيقية من سوق تزداد قسوته شهرًا بعد آخر. لهذا تبدو الزيادة، في النهاية، اعترافًا بعمق الأزمة أكثر مما تبدو حلًا قادرًا على التعامل معها.

