يرى الكاتب السوري عمار ديوب أن العدوان الأميركي الصهيوني على إيران تجاوز منذ زمن مرحلة الضغط لتعديل سلوك النظام الإيراني. فالمطالب التي كانت تُطرح سابقًا، مثل وقف البرنامج النووي أو الحد من الصواريخ الباليستية وتقليص النفوذ الإقليمي، لم تعد محور الصراع الأساسي. بل أصبح الحديث الصريح يدور حول تغيير النظام الإيراني نفسه.

 

ويعتبر الكاتب في مقاله: " هل من حدود للعدوان الأميركي الصهيوني على إيران؟" بموقع "العربي الجديد" أن ما قيل سابقًا عن استخدام التفاوض كغطاء للإعداد للحرب يبدو صحيحًا إلى حد بعيد. فالحرب الحالية لا تستهدف ملفات محددة، بل تضرب البنية الأمنية والعسكرية للنظام الإيراني، بما فيها المؤسسات الشرطية والدينية. وفي الوقت ذاته، يشير المقال إلى أن إسرائيل منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 ركزت على تفكيك ما تسميه “أذرع إيران” في المنطقة، سواء في غزة أو سوريا أو لبنان.

 

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب احتمال توسع الحرب في لبنان بهدف إنهاء دور حزب الله وفرض نوع من الوصاية عليه. ورغم أن نجاح هذا السيناريو ليس مضمونًا، إلا أن الكاتب يرى أن تهميش الحزب يبدو ممكنًا في ظل الظروف الراهنة، خاصة بعد التهجير الواسع في جنوب لبنان، حيث تجاوز عدد النازحين عشرات الآلاف نتيجة المواجهات.

 

إيران بين التصعيد العسكري ومحاولة فرض التفاوض

 

يشير المقال إلى أن القيادة الإيرانية أدركت أن العدوان تجاوز فكرة “الحرب المحدودة”، وأن إسرائيل لا تسعى إلا لإضعاف النظام أو إسقاطه. ولهذا، لجأت إيران إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية، ليس فقط ضد إسرائيل أو القواعد الأميركية، بل أيضًا عبر ضرب أهداف في دول خليجية.

 

ويرى الكاتب أن هذا التصعيد يحمل رسالة واضحة مفادها أن إيران قادرة على توسيع الحرب إقليميًا، ما قد يدفع الأطراف الأخرى إلى العودة إلى طاولة التفاوض. لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر؛ لأن ضرب أهداف في دول الخليج قد يؤدي إلى دفع هذه الدول إلى التصعيد ضد إيران، حتى وإن لم يصل الأمر إلى إعلان حرب مباشرة.

كما يشير المقال إلى أن إسرائيل لم تعد تُعير اهتمامًا كبيرًا لاتفاقات السلام أو “الاتفاقات الإبراهيمية”، بل تتجه – بحسب تحليل الكاتب – إلى فرض نوع من الهيمنة الإقليمية، الأمر الذي يثير مخاوف دول كبرى في المنطقة مثل تركيا والسعودية ومصر.

 

مخاوف إقليمية وتحالفات قيد التشكل

 

يرى ديوب أن احتمالات توسع الحرب لا تقلق إيران وحدها، بل تثير مخاوف حقيقية لدى دول المنطقة. فنجاح إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام ضغوط جديدة على دول أخرى، أو حتى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

 

ومن هنا يطرح الكاتب فكرة التحالفات الإقليمية التي قد تنشأ لمواجهة هذه الطموحات. إلا أن المشكلة، بحسب المقال، أن الولايات المتحدة لا تدعم تحالفًا إقليميًا يوازن النفوذ الإسرائيلي، بل تفضل تحالفًا تقوده إسرائيل نفسها، وهو ما يضع الدول العربية أمام معادلة معقدة.

 

كما يتطرق المقال إلى فكرة تحالفات أخرى تعمل عليها إسرائيل بالتعاون مع دول مثل الهند والإمارات واليونان وقبرص. ويرى الكاتب أن تغيير النظام في إيران قد يكون شرطًا ضروريًا لإنجاح مثل هذه المشاريع الجيوسياسية.

 

إعادة تقاسم العالم وصراع القوى الكبرى

 

يتجاوز المقال حدود الصراع الإقليمي ليضع الحرب على إيران في إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي. فالعالم – وفق تحليل الكاتب – يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع بين القوى الكبرى، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة فرض هيمنتها العالمية.

 

ويشير ديوب إلى أن الصين وروسيا لم تقدما دعمًا حقيقيًا لإيران في هذه المواجهة. فروسيا منشغلة بالحرب في أوكرانيا، بينما تتجنب الصين الانخراط المباشر في الصراع. أما الاتحاد الأوروبي، فيتحرك بحذر شديد خشية خسارة موقعه في المعادلة الدولية.

 

ويذهب الكاتب إلى أن ما يجري قد يكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة تقاسم النفوذ العالمي، حيث بدأت روسيا هذه العملية في أوكرانيا، بينما تواصل الولايات المتحدة المسار نفسه في الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يرى الكاتب أن حربًا عالمية شاملة تلوح في الأفق حاليًا، رغم أن احتمالاتها ليست مستبعدة على المدى البعيد.

 

مستقبل إيران بين الإصلاح والتفكك

 

في ختام مقاله، يتناول ديوب السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران في ظل هذه الحرب. فهو يرى أن البلاد تبدو معزولة نسبيًا في مواجهة هذا العدوان، في وقت تعاني فيه من أزمات داخلية سياسية واقتصادية.

 

ويشير الكاتب إلى أن إيران أخطأت حين تجاهلت الانتفاضات الشعبية المتكررة داخلها، ولم تقدم إصلاحات سياسية حقيقية. ولهذا يطرح احتمال أن يؤدي استمرار الحرب إلى تفكك الدولة أو حتى تقسيمها، وهو سيناريو يقارنه الكاتب بما حدث في العراق بعد عام 2003.

 

لكن المقال يترك باب الاحتمالات مفتوحًا أمام سيناريو آخر يتمثل في ظهور تحالف وطني واسع داخل إيران، يضم شخصيات إصلاحية وعسكرية ودينية من النظام والمعارضة، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية توقف الحرب وتعيد صياغة علاقات إيران مع محيطها العربي.

ورغم أن الكاتب يعترف بأن هذا السيناريو قد يبدو “طوباويًا”، إلا أنه يراه الخيار الأكثر عقلانية لإنقاذ إيران من الانهيار أو التفكك.

 

الخلاصة

 

يقدم مقال عمار ديوب رؤية نقدية تعتبر أن الحرب على إيران ليست مجرد صراع عسكري محدود، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وربما العالم. وفي ظل غياب توازن دولي واضح، تبدو إيران أمام خيارات صعبة تتراوح بين التصعيد، أو التفاوض، أو الدخول في مرحلة تحول سياسي عميق قد يحدد مستقبلها لعقود قادمة.