دخلت سوق الهواتف المحمولة في مصر موجة جديدة من الارتباك بعد تعليق بعض الشركات البيع مؤقتًا، بالتزامن مع زيادات سعرية متلاحقة ونقص في عدد من الموديلات الأعلى طلبًا. التطور الأخير لم يأت من فراغ. جاء بعد إنهاء الإعفاء الاستثنائي لهاتف واحد بصحبة الراكب اعتبارًا من 21 يناير 2026، واستمرار تطبيق رسوم وضرائب تصل إلى 38.5% على الأجهزة الواردة من الخارج.

 

هذا المشهد دفع السوق إلى حالة ترقب، وفتح الباب مجددًا لأسئلة تتعلق بالتسعير، والوكالات الحصرية، وحدود المنافسة، بينما عادت النائبة التي أثارت الملف إلى واجهة النقاش في نهاية المقدمة فقط من دون أن تكون هي محور الأزمة نفسها.

 

تعليق البيع يكشف ارتباك التسعير

 

قال وليد رمضان، نائب رئيس شعبة تجار المحمول بغرفة القاهرة التجارية، إن بعض الشركات التي تصنع هواتفها محليًا ولا تواجه منافسة قوية داخل السوق أرسلت إلى التجار رسائل بوقف البيع لحين إشعار آخر، وذلك بعد يوم واحد فقط من رفع أسعارها بنسب تراوحت بين 5% و10%. هذه الخطوة تعكس أزمة أوسع من مجرد حركة تجارية عابرة. فالتاجر لم يعد قادرًا على تثبيت قائمة أسعار مستقرة، ولا يعرف إن كان بيع المخزون الحالي اليوم سيتيح له تعويضه غدًا بالسعر نفسه أو بهامش ربح يسمح بالاستمرار.

 

رمضان ربط هذا الارتباك مباشرة باستمرار الرسوم المرتفعة على الهواتف المحمولة، وقال إن فرض رسوم وضرائب تبلغ 38.5% وسّع الفجوة بين السعر المحلي والسعر الخارجي، بدلًا من القضاء على التهريب كما كان معلنًا. وأضاف أن سوق الهواتف الذكية في مصر يقترب من 100 مليار جنيه سنويًا، ما يعني أن أثر تلك الرسوم لا يقتصر على الخزانة العامة فقط، بل ينعكس بصورة يومية على قرارات الشراء والتوريد والتسعير داخل كل حلقة من حلقات السوق.

 

النتيجة ظهرت سريعًا في رفوف البيع. بعض الموديلات ارتفعت أسعارها بعد قرار إنهاء الإعفاءات، وبعض الشركات رفعت أسعار 3 موديلات دفعة واحدة بنسب تراوحت بين 12% و18%، بينما تحدثت تقارير أخرى عن صعودات متفاوتة في المنتجات المجمعة محليًا. في هذه البيئة يصبح تعليق البيع أداة دفاعية من الشركات والتجار معًا، لأن أي حركة خاطئة في التسعير قد تتحول إلى خسارة مباشرة إذا قفزت التكلفة مرة أخرى خلال أيام قليلة.

 

الرسوم الجمركية رفعت الكلفة وضيقت بدائل المستهلك

 

التحول الأهم بدأ عمليًا مع انتهاء العمل بالإعفاء الاستثنائي لهاتف واحد بصحبة الراكب يوم 21 يناير 2026، مع بقاء الإعفاء المؤقت للمصريين المقيمين في الخارج والسائحين لمدة 90 يومًا فقط. الحكومة قدمت القرار باعتباره جزءًا من منظومة حوكمة الهواتف المحمولة ومكافحة التهريب، في وقت قال فيه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إن النسبة الأكبر من الأجهزة التي دخلت السوق خلال 2023 و2024 كانت مهربة ولم تسدد عنها الرسوم أو ضريبة القيمة المضافة.

 

لكن السوق قرأ القرار من زاوية أخرى. فحين يرتفع عبء الرسوم إلى 38.5%، ويُغلق في الوقت نفسه المسار الفردي الأقل كلفة أمام جزء من المستهلكين، تصبح الوكالات الرسمية والموزعون الكبار في موقع أقوى داخل السوق. هنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بحق الدولة في التحصيل، بل أيضًا بكيفية منع تحوّل السياسة الجمركية إلى عامل يضغط على المنافسة ويرفع السعر النهائي على المستهلك. لهذا طالبت شعبة المحمول بتشكيل لجنة رقابية مشتركة تضم الغرف التجارية وجهازي حماية المستهلك ومنع الممارسات الاحتكارية لمراجعة سياسات التسعير ومنع المغالاة. هذا الاقتراح طرحه محمد هداية الحداد، نائب رئيس شعبة تجار المحمول، باعتباره وسيلة لتخفيف الضبابية واستعادة قدر من الانضباط في السوق.

 

من زاوية أوسع، ترى نادية المرشدي، رئيسة جمعية النهوض بصناعة الأثاث والخبيرة المعنية بملف الصناعة، أن تضارب القرارات بين الجهات المختلفة يصنع “حلقة مفقودة” في أي سوق إنتاجي. ورغم أن حديثها جاء في سياق صناعي أعم، فإن دلالته تنطبق بوضوح على سوق الإلكترونيات والهواتف في مصر. فحين تتوزع قرارات الصناعة والجمارك والتنظيم والتسعير بين أكثر من جهة، تتراجع القدرة على بناء سوق مستقرة، ويصبح المستهلك هو الطرف الأضعف أمام أي خلل في التنسيق أو أي نقص في المنافسة.

 

المنافسة الغائبة تعمق الأزمة

 

الملف لم يعد ملف ضرائب فقط. صار ملف سوق كامل يعاني من حساسية زائدة تجاه أي قرار إداري أو جمركي. شعبة المحمول نفسها حذرت من أن الأسعار قد تتحول إلى “احتكار يضر المستهلك”، وطالبت برقابة تمنع استخدام تشجيع التصنيع المحلي كمدخل لتسعير مبالغ فيه أو لإضعاف البدائل المتاحة أمام المشترين. هذا التحذير يكتسب أهمية أكبر مع استمرار شكاوى التجار من نقص بعض الطرازات، ومع تراجع قدرة الاستيراد الفردي على كسر الفجوات السعرية داخل السوق المحلية.

 

في هذا السياق يظل دور جهاز حماية المنافسة حاضرًا ولو من دون تدخل معلن مباشر في ملف الهواتف حتى الآن. رئيس الجهاز الدكتور محمود ممتاز شدد في تصريحات سابقة على أن السياسة الاقتصادية يجب أن تقوم على دعم حرية المنافسة وضمان تكافؤ الفرص بين الشركات العاملة في السوق. ومع أن هذا المبدأ عام، فإنه يبدو شديد الصلة بما يجري في سوق المحمول الآن، حيث تتقاطع الرسوم المرتفعة مع الوكالات الحصرية وقلة البدائل وسرعة إعادة تسعير المخزون.

 

الخلاصة أن أزمة أسعار الهواتف في مصر لم تعد مجرد أثر جانبي لارتفاع الدولار أو كلفة الشحن. هي أزمة مركبة. فيها قرار جمركي. وفيها سوق قليل المرونة. وفيها مخاوف احتكارية تتردد على لسان أهل القطاع أنفسهم. وبين هذه العناصر جميعًا يدفع المستهلك الثمن مرتين: مرة عند الشراء بسعر أعلى، ومرة أخرى حين يختفي من السوق الخيار الأرخص أو البديل الأسرع. ما تحتاجه السوق الآن ليس مزيدًا من التبرير، بل قواعد واضحة للتسعير، ومنافسة فعلية، ومراجعة للرسوم حين تتحول من أداة تنظيم إلى عبء يعمق الأزمة بدل حلها.