كشفت موجة التخارج الأخيرة من أدوات الدين الحكومية في مصر هشاشة الرهان الرسمي على الأموال الساخنة، بعد تسجيل صافي بيع بلغ 3.7 مليار دولار في السوق الثانوية منذ 19 فبراير، وفق الأرقام الواردة في التقديرات المشار إليها في النص. وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ليتراجع الجنيه أمام الدولار إلى ما فوق مستوى 50 جنيهًا خلال الأيام الماضية، وهو ما تعكسه أيضًا بيانات السوق التي أظهرت وصول سعر الصرف إلى نحو 50.14 جنيهًا يوم 6 مارس 2026.

 

هذا التطور يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا عن جدوى نموذج اقتصادي يعتمد على تدفقات سريعة الخروج من أدوات الدين المحلية كلما ارتفع التوتر أو تغيرت شهية المستثمرين للمخاطرة. فالحكومة التي اعتبرت عودة الأجانب إلى أذون الخزانة مؤشرًا على الثقة، تجد نفسها مرة أخرى أمام الحقيقة الأصعب: هذه الأموال تدخل سريعًا، لكنها تخرج أسرع، وتترك وراءها ضغطًا مباشرًا على الجنيه وعلى كلفة الدين معًا. ويكفي النظر إلى عوائد أذون الخزانة المحلية التي سجلت مستويات مرتفعة في آخر مزادات البنك المركزي، لتتضح كلفة الدفاع المستمر عن جاذبية هذا النوع من التمويل.

 

ويرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن المشكلة لم تعد في وقوع التخارجات بحد ذاتها، بل في استمرار الاعتماد عليها كمصدر دعم رئيسي للنقد الأجنبي. ويقول إن الأموال الساخنة لا يمكن التعامل معها باعتبارها قاعدة استقرار، لأنها بطبيعتها مرتبطة بالمضاربة على العائد وسرعة الحركة، لا بالاستثمار طويل الأجل أو بناء طاقة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد.

 

تخارجات جديدة تكشف هشاشة الاعتماد على الأجانب

 

سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع قدره 3.7 مليار دولار منذ 19 فبراير، بحسب البيانات والتقديرات المشار إليها في النص الأصلي. الرقم في حد ذاته لا يعكس مجرد حركة مالية عابرة، بل يكشف أن المستثمر الأجنبي ما زال يتعامل مع السوق المصرية باعتبارها ساحة عائد مرتفع يمكن الخروج منها فور ارتفاع المخاطر.

 

وتزامنت هذه التخارجات مع اتساع التوتر العسكري في المنطقة، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في أدوات الدين المقومة بالجنيه. والنتيجة جاءت سريعة في سوق الصرف، حيث ارتفع الدولار إلى أكثر من 50 جنيهًا، وهو أعلى مستوى منذ شهور، بينما أظهرت بيانات السوق المفتوحة وصول السعر إلى 50.14 جنيهًا في 6 مارس 2026.

 

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بسعر الصرف، بل بكيفية تمويل الدولة نفسها. فالحكومة بنت خلال العامين الماضيين جزءًا مهمًا من توازنها النقدي على تدفقات المحافظ الأجنبية إلى أدوات الدين المحلية، مستفيدة من أسعار فائدة مرتفعة للغاية. لكن هذا النموذج يجعل أي أزمة خارجية قادرة على تحويل “الثقة” إلى موجة خروج جماعي في أيام قليلة.

 

ويقول الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن أدوات الدين المحلية تجذب الأجانب عندما تكون الفائدة مرتفعة والمخاطر تحت السيطرة، لكن أي تصعيد خارجي أو اضطراب في الأسواق العالمية قد يدفعهم إلى إعادة التموضع بسرعة. ويضيف أن هذا النوع من التدفقات يظل مفيدًا على المدى القصير، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاستثمار المباشر أو نمو الصادرات.

 

مارس يضغط على الدين والجنيه معًا

 

الضغوط لا تقف عند حدود التخارجات الحالية. فوفق التقديرات الواردة عن Fitch Solutions في النص، فإن مارس يمثل ذروة استحقاقات الدين المحلي قصير الأجل هذا العام، مع حلول أجل ما يقرب من 18 مليار دولار، في وقت يمتلك فيه المستثمرون الأجانب نحو 19.3% من رصيد أذون الخزانة القائمة، باستثناء الالتزامات المشروطة.

 

هذه الأرقام تعني أن الخطر لا يكمن فقط في الأموال التي خرجت بالفعل، بل أيضًا في تلك التي قد لا تعود عند تجديد الاستحقاقات. فإذا فضّل جزء من المستثمرين عدم إعادة تدوير أمواله داخل السوق المصرية، فإن الضغط على سوق الصرف والسيولة الدولارية قد يتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الحرب أو ارتفعت أسعار النفط والدولار عالميًا.

 

ويعزز هذه المخاوف أن البنك المركزي لا يزال يضطر إلى الإبقاء على عوائد مرتفعة لجذب المستثمرين إلى أدوات الدين. فآخر بيانات مزادات أذون الخزانة المنشورة على موقع البنك المركزي أظهرت متوسطات عائد تدور حول 23% و25% في بعض الآجال، وهي مستويات مرتفعة تكشف أن الحفاظ على جاذبية السوق لم يعد رخيص الكلفة على المالية العامة.

 

ويقول هاني جنينة، الخبير الاقتصادي والمحاضر بالجامعة الأمريكية، إن استحقاقات الدين القصير تمثل نقطة حساسة للغاية، لأن أي تراجع في شهية الأجانب لإعادة الاستثمار ينعكس فورًا على الجنيه وعلى احتياجات الدولة من السيولة. ويضيف أن المشكلة ليست فقط في خروج الأموال، بل في أن الاقتصاد يظل مضطرًا إلى دفع فائدة مرتفعة جدًا من أجل الإبقاء عليها أصلًا.

 

حرب خارجية تكشف أزمة داخلية أعمق

 

تشير القراءة التي قدمتها Fitch Solutions، كما ورد في النص، إلى أن انكشاف مصر الأمني المباشر على الصراع يظل محدودًا، لكن التداعيات الاقتصادية بدأت بالفعل في الظهور مع استمرار الحرب. هذه النقطة مهمة، لأنها تؤكد أن الاقتصاد المصري لا يحتاج إلى أن يكون طرفًا مباشرًا في الصراع حتى يدفع الثمن. يكفي أن ترتفع المخاطر في الإقليم، أو يزيد الطلب العالمي على الدولار، حتى تبدأ موجة النزوح من الأصول المحلية.

 

وهنا تتكشف المشكلة الأعمق في النموذج الاقتصادي الحالي. فالدولة تعتمد على مزيج من الديون القصيرة الأجل، والأموال الساخنة، وأسواق دولية متقلبة، ثم تفاجأ كل مرة بأن التوتر الخارجي يضرب الجنيه ويرفع كلفة التمويل. ومع كل أزمة جديدة، تتجدد القصة نفسها: خروج سريع لرؤوس الأموال، وضغط على العملة، وعودة الحديث عن “صمود” الاقتصاد بينما يدفع السوق الثمن.

 

كما أن البيانات الرسمية الأوسع عن الوضع الخارجي تؤكد أن مصر ما زالت تتحرك في بيئة تمويل حساسة. فالبنك المركزي أظهر في أحدث تقاريره أن إجمالي الدين الخارجي بلغ 156.7 مليار دولار بنهاية مارس 2025، وهو مستوى يعكس أن أي تقلب في أسواق التمويل أو سعر الصرف يظل ذا أثر مباشر على الصورة الكلية للاقتصاد.

 

ويرى الدكتور مدحت نافع أن الدرس الأوضح من موجة التخارج الأخيرة هو أن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه المستثمر القصير الأجل، بل اقتصاد ينتج ويصدر ويولد عملته الأجنبية من الداخل. ويقول إن الرهان المستمر على أدوات الدين وحدها يعني أن مصر ستظل عرضة للصدمات نفسها، مهما تبدلت أسماء الأزمات أو أسبابها.

 

في النهاية، لا تبدو الأزمة الحالية مجرد أثر جانبي لحرب إقليمية، بل اختبارًا جديدًا لنموذج اقتصادي لم ينجح بعد في تقليل اعتماده على التمويل السريع والمرتبك. ومع تجاوز الدولار 50 جنيهًا، وارتفاع عوائد الدين، واقتراب استحقاقات مارس، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى يظل الجنيه معلقًا بمزاج المستثمر الأجنبي، لا بقوة الاقتصاد نفسه؟