انتقدت الباحثة في الشؤون السياسية د. سامية هاريس ما وصفته بخطاب السلطة في مصر بشأن الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، معتبرة أن النظام “يبشر المصريين بمزيد من الغلاء” تحت ذريعة الحرب والأزمات الدولية.

 

وقالت هاريس إن الحكومات في الدول التي تشهد حروبًا فعلية لا تستخدم هذا الخطاب لتبرير ارتفاع الأسعار بهذا الشكل، مؤكدة أن تحميل الحرب المسؤولية الكاملة عن الأزمة الاقتصادية في مصر يمثل محاولة لتبرير السياسات الاقتصادية الفاشلة.

 

وأضافت أن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، منذ وصوله إلى الحكم، يكرر تبرير الأزمات الاقتصادية بأسباب مختلفة، “مرة بالإخوان ومرة بالحروب والصراعات الدولية”، بينما المشكلة الأساسية – على حد وصفها – تعود إلى فساد إداري وفشل سياسي واقتصادي في إدارة الدولة.

 

وأوضحت أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون لا يمكن تفسيرها فقط بالعوامل الخارجية، مشيرة إلى أن السياسات الاقتصادية والديون المتراكمة وسوء الإدارة تلعب دورًا أساسيًا في تفاقم الأزمة.

كما حذرت من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين.

 

 

خطاب الحرب وتبرير الغلاء

 

تقول سامية هاريس إن الحكومات في الدول التي تشهد حروبًا فعلية لا تتبنى خطابًا يمهد المواطنين بشكل دائم لمزيد من الغلاء.

وترى أن استخدام الحرب كسبب دائم للأزمات الاقتصادية في مصر يهدف إلى تخفيف الضغط السياسي عن الحكومة وتحويل النقاش بعيدًا عن السياسات الاقتصادية المحلية.

 

وأشارت إلى أن خطاب السلطة خلال السنوات الأخيرة يتكرر بصيغ مختلفة؛ مرة بإلقاء اللوم على جماعة الإخوان المسلمين، ومرة بالحديث عن الأزمات العالمية أو الحروب الإقليمية، بينما تظل الأوضاع المعيشية للمواطنين في تدهور مستمر.

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي د. وائل النحاس أن الاقتصادات الناشئة غالبًا ما تتأثر بالصدمات العالمية، لكن إدارة الأزمة هي العامل الحاسم في تقليل آثارها.

ويضيف أن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي وارتفاع كلفة خدمة الدين يزيدان من الضغوط على الموازنة العامة، ما ينعكس مباشرة على الأسعار ومستوى المعيشة.

 

ويرى النحاس أن تحميل الحرب وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار لا يعكس الصورة الكاملة للأزمة الاقتصادية، لأن هناك عوامل داخلية مثل سياسات الإنفاق وتراجع الإنتاج الصناعي وضعف الصادرات تلعب دورًا مهمًا في تفاقم الضغوط التضخمية.

 

أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة حرب

 

تعتبر سامية هاريس أن جوهر الأزمة الاقتصادية في مصر يرتبط بخلل هيكلي في إدارة الدولة للاقتصاد.

وتقول إن المشكلة لا تتعلق فقط بالظروف الدولية، بل بوجود ما تصفه بفساد إداري وفشل سياسي واقتصادي في إدارة الموارد.

 

وتضيف أن السياسات الاقتصادية خلال السنوات الماضية ركزت على مشروعات ضخمة وكلفة مرتفعة، بينما لم تحقق تحسنًا ملموسًا في مستويات المعيشة أو في معدلات الإنتاج الحقيقي.

وترى أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

 

ويقول أستاذ العلوم السياسية د. مصطفى كامل السيد إن الخطاب السياسي في أوقات الأزمات الاقتصادية غالبًا ما يميل إلى تحميل العوامل الخارجية جزءًا كبيرًا من المسؤولية.

لكنه يشير إلى أن نجاح الحكومات يقاس بقدرتها على إدارة هذه الأزمات عبر سياسات اقتصادية واضحة وشفافة تقلل من آثارها على المجتمع.

 

ويضيف السيد أن غياب الشفافية الكافية حول أسباب الأزمة الاقتصادية قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة، خصوصًا عندما تستمر الضغوط المعيشية لفترات طويلة دون حلول ملموسة.

 

ضغوط معيشية تتصاعد

 

تأتي تصريحات سامية هاريس في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري تحديات متعددة، بينها ارتفاع معدلات التضخم وزيادة كلفة المعيشة.

ويقول خبراء إن هذه الضغوط تتفاقم مع تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

 

وترى هاريس أن استمرار الخطاب الرسمي الذي يربط الأزمات الاقتصادية بالحروب والأحداث الخارجية قد يمهد نفسيًا لزيادات جديدة في الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وتؤكد أن المواطنين باتوا أكثر وعيًا بالأسباب الحقيقية للأزمة، وأن تكرار التبريرات لم يعد كافيًا لاحتواء الغضب الاجتماعي الناتج عن الضغوط المعيشية.

 

وفي ظل هذه الأوضاع، يظل السؤال المطروح داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية هو ما إذا كانت السياسات الاقتصادية الحالية قادرة على احتواء الأزمة، أم أن الضغوط الاقتصادية ستستمر في التزايد خلال السنوات المقبلة.

 

وتقول هاريس إن الحل الحقيقي للأزمة لا يكمن في تكرار خطاب التبرير، بل في مراجعة السياسات الاقتصادية والإدارية بشكل جذري، والانتقال إلى نموذج اقتصادي يعتمد على الإنتاج الحقيقي والشفافية والمساءلة.

وترى أن أي محاولة لتجاوز الأزمة دون معالجة هذه الجوانب ستؤدي فقط إلى تأجيل المشكلات، لا حلها.

 

وتُعرف سامية هاريس بأنها ناشطة سياسية مصرية-أمريكية تركز في نشاطها على قضايا الديمقراطية والاقتصاد في مصر، وغالبًا ما توجه انتقادات حادة للسياسات الحكومية، خصوصًا ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية وحقوق الإنسان.