بدأت ضربات إيران في الخليج 28 فبراير 2026 فارتفعت معها علاوة المخاطر في الأسواق فورًا. التحول كان واضحًا: من استعراض القوة ضد القواعد إلى ضرب البنية التي تمسك الاقتصاد العالمي من عنقه. الارتفاعات لم تنتظر بيانات رسمية. الأسعار تحركت قبل التصريحات، والتأمين سبق البيانات، والشحن تحوّل إلى أزمة قائمة بذاتها.

 

من القواعد إلى الطاقة.. قائمة أهداف تتسع كل يوم

 

تدرّجت الضربات سريعًا نحو منشآت النفط والغاز والبتروكيماويات. الضربة الأثقل جاءت في قطر، مع توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان بعد استهداف منشأة داخل المنطقة الصناعية، ثم إعلان “قطر للطاقة” وقف إنتاج بعض المنتجات التحويلية، ومنها اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم. هذه ليست “تفاصيل جانبية”، بل حلقات في سلسلة إمداد عالمية واحدة.

 

في السعودية، جرى الحديث عن إحباط هجوم استهدف مصفاة رأس تنورة، مع إعلان وقف التشغيل احترازيًا بعد إصابة جزء من الموقع. الرسالة الرسمية تقول إن الإمدادات لم تتأثر، لكن السوق لا يقيس المشهد بهذه الطريقة. مجرد توقف أكبر منشأة تكرير وشحن في الخليج “ولو مؤقتًا” يكفي لرفع التسعير، لأن المخاطر أصبحت قابلة للتكرار، لا مجرد حادثة.

 

الكويت دخلت دائرة الشظايا. تقارير تحدثت عن إصابات في ميناء الأحمدي وحريق بمحطة كهرباء نتيجة حطام مسيّرة. عُمان شهدت استهدافًا لميناء الدقم وإصابة خزان وقود، والإمارات رأت تعليق عمليات بمحطة الفجيرة واندلاع حريق في مركز تجارة النفط بعد سقوط حطام. كل نقطة هنا “عقدة لوجستية”، لا مجرد خبر أمني.

 

حتى حين لم تُسجَّل أضرار مباشرة، انكمش الإنتاج بسبب الخوف. في إقليم كردستان العراق، أوقفت شركات نفط وغاز عملياتها احترازيًا، رغم غياب إصابات مؤكدة للمنشآت. وفي شرق المتوسط، أدت تطورات موازية إلى تعطيل حقول غاز إسرائيلية وتوقف صادرات إلى مصر، ما يضيف ضغطًا إقليميًا على معادلة الطاقة، في توقيت شديد الحساسية.

 

الغاز أولًا.. وأوروبا تدفع ثمن “لا بديل”

 

ضربة رأس لفان لا تعني قطر وحدها. قطر لاعب ثقيل في الغاز المسال، وأي تعطل ملموس يترجم إلى سعر فوري في أوروبا وآسيا. آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، لخصت المعنى بشكل عملي: “لا يوجد بديل” سريع يعوّض كميات قطر إذا طالت الأزمة، خصوصًا مع حساسية المخزون الأوروبي في بعض الفترات. هذا تعليق تقني، لكنه يفضح هشاشة “الطمأنة” الرسمية.

 

السوق التقط الإشارة من أول يوم. تقارير متطابقة رصدت قفزات حادة في أسعار الغاز، ومعها عودة هواجس 2022. وفي النفط، ارتفعت الأسعار باتجاه مستويات أعلى مع إعادة تسعير مخاطر الإمداد. هذه ليست موجة مضاربة فقط؛ إنها خصم نقدي على الاستقرار، لأن منشآت الطاقة صارت هدفًا مباشرًا لا احتمالًا بعيدًا.

 

الأثر يمتد إلى الغذاء. توقف أو تباطؤ منتجات تحويلية مرتبطة بالغاز، مثل اليوريا، يضغط على تكلفة الأسمدة عالميًا. التضخم هنا لا يأتي من بند واحد. يأتي من تراكب الطاقة مع النقل مع التأمين، ثم ينتقل إلى سلة الغذاء. “الحرب على الطاقة” تعني حربًا على الأسعار اليومية للمستهلك، حتى لو لم يسمع صفارات إنذار.

 

التأمين يخنق الملاحة.. وواشنطن بلا جدول خروج

 

هرمز تحول إلى نقطة اختبار. المرور تراجع بشدة، ومعه ارتفعت تكاليف الشحن لأرقام قياسية، منها صعود تكلفة استئجار ناقلة خام على خط الشرق الأوسط–الصين إلى أكثر من $424,000 يوميًا وفق تقارير سوقية نقلتها صحافة دولية. هنا يصبح “إغلاق” المضيق عمليًا حتى إن اختلفت الروايات السياسية، لأن السفن تتوقف عندما يتوقف الغطاء.

 

خبير التأمين البحري Dylan Mortimer من شركة Marsh تحدث عن قفزات قريبة المدى في أقساط marine hull في الخليج بين 25% و50%، مع تحركات لإلغاء أو إعادة تسعير تغطيات مخاطر الحرب. هذه النسب تكفي لشل القرارات التشغيلية للشركات، لأن التأمين ليس هامشًا. إنه شرط مرور، ومن دونه يصبح الشحن “مقامرة” غير قابلة للتسعير.

 

سياسيًا، واشنطن ترسل إشارات متناقضة: حديث عن رفض “حرب بلا نهاية”، دون جدول زمني واضح لإنهاء الصراع. في هذه الفجوة، تتقدم طهران خطوة في استراتيجية رفع الكلفة على حلفاء أميركا، وتتراجع السوق خطوة في الثقة. Helima Croft من RBC لخصت المعادلة: اتجاه الأسعار يعتمد على ما إذا كانت طهران ستصعّد ضد بنية الطاقة والممرات، وهو ما يحدث بالفعل الآن.

 

الخلاصة أن الحرب لم تعد “مناوشات” حول قواعد. هي امتحان مباشر لقدرة العالم على إدارة شريان طاقة واحد تحت النار. وكل يوم بلا نهاية معلنة يعيد كتابة فاتورة الغاز والنفط والشحن والتأمين، ويجعل المنطقة كلها تدفع—ليس فقط بصواريخ ومسيرات، بل بسعر كل سلعة تمر من بوابة الطاقة.