واصل سعر صرف الدولار الأمريكي صعوده في البنوك المصرية لليوم الثاني هذا الأسبوع، ليسجل 49.27 جنيهًا في البنك الأهلي، بزيادة تقارب 1.4 جنيه مقارنة بمستواه في 22 فبراير 2026، وسط موجة تخارج أجنبي من أدوات الدين وتصاعد توترات إقليمية تضغط على سوق الصرف والمال.

 

التحرك ليس معزولًا. الأرقام تكشف اتجاهًا واضحًا. التدفقات قصيرة الأجل تتراجع. الذهب يقفز. البورصة تتراجع. والحكومة تراهن على الاحتياطي وقدرتها على احتواء الصدمة.

 

تخارج الأجانب يعيد سيناريو الأموال الساخنة

 

مصدر مصرفي في أحد البنوك الحكومية، مطلع على تعاملات سوق أدوات الدين، أكد أن موجة تخارج للأجانب مستمرة منذ الأحد، وتؤثر سلبًا على سعر الصرف. السبب المباشر هو تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من إعادة تسعير للمخاطر في الأسواق الناشئة.

 

المصدر أوضح أن استمرار الحرب يعني استمرار خروج التدفقات لسببين. الأول اتجاه المستثمرين لأسواق أكثر أمانًا. الثاني تأثر صناديق الاستثمار الأوروبية بالحرب، ما يدفعها لتغطية مراكزها المالية.

 

بيانات “اقتصاد الشرق” أظهرت أن تعاملات بيع وشراء الدولار بين البنوك قفزت بنسبة 233% الأحد، لتمويل خروج جزئي للأجانب من سوق الأذون المحلية. هذا الرقم يعكس ضغطًا مباشرًا على السيولة الدولارية.

 

الدكتور محمد عبد العال، الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، يرى أن الوضع مختلف عن 2022. يقول إن الحكومة استفادت من دروس خروج نحو 20 مليار دولار خلال الحرب الروسية الأوكرانية. ويشير إلى أن الاحتياطي الحالي البالغ 52.59 مليار دولار بنهاية يناير 2026 يوفر هامش أمان نسبي.

 

لكن عبد العال يتوقع تحرك الدولار في نطاق 48.5 – 49.5 جنيه خلال الفترة الحالية. تقدير لا يستبعد اختبارات لمستوى 50 جنيه إذا استمرت الضغوط.

 

احتياطي قوي.. وضغوط قائمة

 

رغم الحديث عن هامش أمان، فإن حساسية السوق واضحة. آخر بيانات للبنك المركزي تشير إلى أن أرصدة العملاء الأجانب في سوق الأذون بلغت 2.149 تريليون جنيه في سبتمبر الماضي. هذا الرقم يعكس وزن الاستثمارات الأجنبية في تمويل الموازنة.

 

أي تخارج واسع يضغط على الجنيه. ويجبر البنوك على توفير سيولة دولارية إضافية. ويزيد تكلفة التمويل الداخلي. هذا التداخل يجعل سوق الصرف مرآة مباشرة لتحركات الأموال الساخنة.

 

الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد، يؤكد أن الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل يظل نقطة ضعف هيكلية. ويقول إن الاستقرار الحقيقي يتطلب زيادة الصادرات الصناعية والزراعية والسياحية، وليس فقط إدارة الاحتياطي.

 

الفقي يشير إلى أن ارتفاع الفائدة عالميًا يزيد تكلفة جذب الأموال الساخنة. ويضيف أن أي توتر جيوسياسي يعجل بخروجها. لذلك فإن إدارة الأزمة تتطلب توازنًا بين استقرار العملة وعدم استنزاف الاحتياطي.

 

المصدر المصرفي يتوقع وصول الدولار إلى نحو 50 جنيهًا بنهاية الأسبوع إذا استمرت التوترات. تقدير يعكس حذرًا، لا ذعرًا. لكنه يؤكد أن السوق يتحرك تحت ضغط.

 

الذهب يصعد والبورصة تتراجع

 

انعكست أجواء الحرب مباشرة على الذهب. جرام 21 سجل 7525 جنيهًا. تاجر تحدث عن إمكانية وصوله إلى 8000 جنيه قريبًا. الأوقية عالميًا تخطت 5400 دولار بزيادة تقارب 3% عن نهاية الأسبوع الماضي.

 

هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات، أكد أن الارتفاعات مرتبطة بحركة السوق العالمي وسعر الدولار محليًا. العلاقة مباشرة. أي صعود في الأوقية أو الدولار ينعكس فورًا على السعر المحلي.

 

ميلاد يتوقع استمرار الاضطراب، مع إمكانية وصول عيار 21 إلى 8000 جنيه إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وتذبذب العملات. كريم سليمان، تاجر ذهب بالقاهرة، أرجع الزيادة إلى ارتفاع الأسعار العالمية وصعود الدولار في البنوك. يقول إن الترابط بين الأوقية عالميًا والدولار محليًا يجعل الزيادة “طبيعية” في هذا السياق.

 

الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يرى أن صعود الذهب يعكس فقدان الثقة في الأصول ذات المخاطر. ويضيف أن استمرار الحرب سيدفع المستثمرين للتحوط، ما يضغط على العملات المحلية في الأسواق الناشئة.

 

في المقابل، أنهى المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية تعاملات اليوم على تراجع بنسبة 0.6% عند 47,692 نقطة. الانخفاض أقل حدة من جلسة الأمس، لكنه يعكس حالة ترقب.

 

الصورة العامة تكشف اقتصادًا يختبر قدرته على امتصاص صدمة خارجية جديدة. الدولار يرتفع. الذهب يصعد. البورصة تتراجع. الاحتياطي يوفر غطاءً. لكن الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل يظل عامل مخاطرة.

 

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. إذا هدأت التوترات، قد يستقر الجنيه داخل نطاقه الحالي. إذا تصاعدت، قد يختبر مستوى 50 جنيهًا سريعًا. وفي كل الأحوال، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي أدوات الإدارة النقدية وحدها لمواجهة موجة تقلبات جديدة، أم أن الوقت حان لإعادة النظر في نموذج التمويل القائم على الأموال الساخنة؟