دخل أكثر من 2000 عامل بشركة مصر للألومنيوم في نجع حمادي يومهم الثاني من الإضراب والاعتصام، احتجاجًا على استمرار تشغيلهم بعقود مؤقتة عبر شركات توريد عمالة، وحرمانهم من التعيين المباشر ورفع أجورهم التي لا تتجاوز في المتوسط 2500 جنيه شهريًا.
دار الخدمات النقابية والعمالية أعلنت متابعتها للأزمة، مؤكدة أن ما يجري داخل أسوار الشركة يكشف حجم الظلم الواقع على العمال، الذين يعمل غالبيتهم منذ سنوات بعقود مؤقتة، رغم تخرجهم في مركز التدريب والمعهد الفني الصناعي التابعين للشركة نفسها.
العمال يؤدون أعمالًا إنتاجية أساسية يعتمد عليها التشغيل اليومي للمصنع. ومع ذلك، لا يتمتعون بحقوق العاملين المعينين. الإضراب لم يكن رمزيًا. تأثيره كان مباشرًا على خطوط الإنتاج.
70 % تراجعًا في الطاقة الإنتاجية
المعلومات المتداولة تشير إلى تراجع الطاقة الإنتاجية بنحو 70%، مع توقف أغلب عنابر الإنتاج. التشغيل اقتصر على الأقسام التي يعمل بها العمال المعينون. الأفران شبه متوقفة عن سحب المعدن.
هذه الأرقام تكشف الوزن الحقيقي للعمال المضربين في العملية الإنتاجية. الادعاء بإمكانية الاستغناء عنهم أو التقليل من دورهم سقط عمليًا مع توقف خطوط الإنتاج.
الدكتور ديفيد فاين، أستاذ اقتصاديات العمل في جامعة ماساتشوستس، يرى أن “الاعتماد على عمالة مؤقتة في قطاعات صناعية ثقيلة ثم إنكار حقوقها يخلق هشاشة إنتاجية. أي إضراب منظم يشل المصنع فورًا”.
شركة تأسست عام 1969 وتُعد من ركائز الصناعة الوطنية تجد نفسها أمام أزمة ممتدة. الإنتاج يتراجع. الإدارة تعرض زيادة محدودة في الأجر مقابل إنهاء الإضراب، دون الاستجابة لمطلب التعيين.
تأمينات مفقودة.. وإصابة بلا تعويض
الدار أدانت ما أورده العمال بشأن حرمانهم من التأمينات الاجتماعية والصحية، وعدم الاعتراف بإصابات العمل. من بين الوقائع المتداولة إصابة عامل أدت إلى بتر قدمه دون حصوله على تعويض عادل.
هذه الاتهامات تمثل، وفق البيان، انتهاكًا صريحًا لقانون العمل المصري ومبادئ العدالة. غياب التأمين يعني أن العمال يتحملون مخاطر الصناعة الثقيلة وحدهم.
البروفيسور غاي رايدر، المدير العام السابق لمنظمة العمل الدولية، يؤكد أن “العمل عبر شركات توريد لا يعفي الشركة الأصلية من مسؤوليتها عن السلامة والتأمين. المعايير الدولية واضحة في هذا الشأن”.
في أكتوبر 2024 شهدت الشركة احتجاجات مماثلة انتهت بوعود لم تُنفذ. تكرار المشهد يعكس أزمة ثقة عميقة بين العمال والإدارة.
أجور متدنية في اقتصاد ملتهب
متوسط أجر 2500 جنيه شهريًا في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة يعني تآكل القدرة الشرائية بالكامل. العمال يطالبون بالتعيين المباشر، وأجر عادل، وتأمين صحي واجتماعي، والاعتراف بإصابات العمل.
الدكتور برانكو ميلانوفيتش، الخبير الدولي في عدم المساواة الاقتصادية، يرى أن “تثبيت عمال لسنوات بعقود مؤقتة وأجور منخفضة في شركات استراتيجية يعمّق فجوة الدخل ويقوّض الاستقرار الاجتماعي”.
دار الخدمات النقابية شددت على أن الأجر العادل والتأمين ليسا منحة من الإدارة، بل حقوق قانونية. كما دعت إلى حوار جاد بعيدًا عن الضغوط أو التهديدات.
الإضراب لا يتعلق فقط بالأجور. يتعلق بنمط تشغيل قائم على الالتفاف عبر شركات توريد العمالة، بما يحرم العمال من الاستقرار الوظيفي.
الدار دعت الجهات المعنية إلى فتح تحقيق شفاف في أوضاع العمالة المؤقتة، وتنفيذ تعهدات سابقة بتقنين أوضاعهم، حفاظًا على استقرار العمل والإنتاج.
شركة مصر للألومنيوم تمثل أحد الأعمدة الصناعية للدولة. لكن البيان ذكّر بأن التنمية الصناعية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية. لا استقرار إنتاجي دون إنصاف العمال.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تسوية شاملة. الإدارة تطرح حلولًا جزئية. العمال يتمسكون بالتعيين. الإنتاج متراجع بنسبة 70%. الأزمة مفتوحة.
المعادلة واضحة. مصنع بحجم استراتيجي يعتمد على عمالة مؤقتة بأجر 2500 جنيه شهريًا دون تأمينات كافية. وعندما يقرر هؤلاء التوقف، يتوقف معهم المعدن.
الاحتجاج في نجع حمادي ليس حدثًا عابرًا. إنه اختبار حقيقي لمدى احترام حقوق العمل في واحدة من أقدم القلاع الصناعية منذ 1969. وبين عنابر متوقفة وأفران شبه خامدة، يبقى السؤال: هل تُحل الأزمة بحوار عادل أم بتكرار وعود لا تُنفذ؟

