فجّر الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، الذي اندلع السبت 1 مارس 2026، موجة قلق اقتصادي عابر للحدود، بعدما ردّت طهران باستهداف قواعد عسكرية أميركية في عدة دول، ما وسّع دائرة المواجهة وفتح الباب أمام تداعيات مباشرة على الملاحة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد.

 

التصعيد العسكري لم يبقَ في نطاقه الأمني. أسواق الطاقة اهتزت. شركات الشحن دخلت مرحلة ترقب. والاقتصادات المرتبطة بالممرات الحيوية في الشرق الأوسط باتت تحت ضغط متصاعد.

 

القبطان المصري محمد نجيب فيليكس، المتخصص في الملاحة والنقل البحري، أكد أن استمرار التصعيد سيؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات ويزيد الضغوط التضخمية.

 

شلل محتمل في الممرات الحيوية

 

الأسواق العالمية تعتمد على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، وعلى مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 6 ملايين برميل نفط وغاز يوميًا. أي اضطراب في هذين الممرين يعني خللًا فوريًا في منظومة الطاقة.

 

القبطان نجيب أوضح أن تعطل الإمدادات من الخليج سيؤثر مباشرة على تكاليف الطاقة، ويربك سلاسل الإمداد، ويضغط على قناة السويس باعتبارها شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية.

 

خلال عامي 2024 و2025، بلغت خسائر قناة السويس نحو 12 مليار دولار بسبب تداعيات حرب غزة وتحويل مسارات السفن، وفق ما أعلنه رئيس الهيئة في ديسمبر الماضي. استمرار الحرب الحالية قد يضع القناة أمام وضع أسوأ من الربع الثاني لعام 2024.

 

الدكتور نيل شييرينغ، كبير الاقتصاديين في “كابيتال إيكونوميكس”، يرى أن “أي تعطيل طويل الأمد في هرمز أو باب المندب سيؤدي إلى قفزة مزدوجة في تكاليف الشحن والطاقة، ما يعيد إنتاج صدمة سلاسل الإمداد التي شهدها العالم في 2022 ولكن في سياق أكثر هشاشة”.

 

قفزة في النفط والذهب.. وضغط على الجنيه

 

مع بداية الحرب، ارتفعت أسعار الذهب والنفط فورًا. القبطان نجيب أشار إلى أن هذه الزيادات ستستمر طالما استمر التصعيد، خاصة مع تهديد الملاحة في هرمز وباب المندب.

 

الدكتور يسري الشرقاوي حذّر من أن أسعار النفط والغاز قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 20% و30% في الأسبوع الأول من التصعيد. هذه القفزة تعني خللًا مباشرًا في موازنة الطاقة في مصر، وتهديدًا لاستقرار الأسعار.

 

ارتفاع الذهب، بحسب الشرقاوي، سيضغط على قيمة الجنيه ويؤثر على السيولة المحلية، ويضعف القوة الشرائية، في وقت تعاني فيه الأسواق من ضغوط تضخمية متراكمة.

 

الدكتور روبن بروكس، الباحث في معهد بروكينغز، يوضح أن “الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تضررًا. ارتفاع النفط بنسبة 30% قد يضيف ما بين 1 و2 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات الناشئة خلال أشهر قليلة”.

 

السيناريوهات، كما أشار الشرقاوي، تبقى مفتوحة. نقص الإمدادات قد يؤدي إلى توقف بعض محطات الكهرباء إذا طال أمد الأزمة، رغم وجود خطط بديلة.

 

قناة السويس والتحويلات.. الحلقة الأضعف

 

الحرب تمثل تهديدًا مباشرًا لدخل قناة السويس. عودة هجمات الحوثيين في باب المندب أو انكماش التجارة الدولية قد يخفض العوائد بما يتراوح بين 8 و9 مليارات دولار، كما حدث في النصف الثاني من 2024.

 

الصادرات المصرية إلى الخليج تمثل نحو 35% من إجمالي دخل الصادرات من المنطقة، بما يقارب 20 مليار دولار. أي تراجع بنسبة 50% يعني خسارة فورية بمليارات الدولارات.

 

التحويلات تمثل خطرًا أكبر. منطقة الخليج توفر نحو 65% من تحويلات المصريين بالخارج، من إجمالي بلغ قرابة 48 مليار دولار في 2025. استمرار الحرب يهدد هذا الشريان النقدي الحيوي.

 

الدكتورة إزميرالدا نوفا، خبيرة الاقتصاد الدولي في جامعة جنيف، ترى أن “الدول المعتمدة على تحويلات العمالة والطاقة في آن واحد تواجه صدمة مزدوجة. تراجع التحويلات مع ارتفاع الواردات النفطية يخلق فجوة تمويلية صعبة”.

 

إضافة إلى ذلك، تعتمد مصر جزئيًا على إمدادات الغاز الإسرائيلي لمحطات الكهرباء. أي توقف سيحمل فاتورة اقتصادية إضافية ويخلق ارتباكًا في توفير البدائل.

 

الحرب لا تضغط على مصر وحدها. الصين، التي تعتمد على طاقة الخليج، وروسيا التي لا تزال تخوض حربًا في أوكرانيا، وأفريقيا التي تعاني اضطرابات في القرن الأفريقي، جميعها تواجه إعادة تشكيل اقتصادية قسرية.

 

الاقتصاد العالمي، المثقل أصلًا بأزمات ديون وتضخم، يجد نفسه أمام صدمة جديدة. تعطل سلاسل الإمداد ونقص مدخلات الإنتاج يهددان الصناعة والزراعة، ويرفعان تكاليف النقل البحري.

 

المعادلة واضحة. استمرار المواجهة العسكرية بين واشنطن وتل أبيظ من جهة وطهران من جهة أخرى لن يبقى في حدود الجغرافيا العسكرية. الممرات البحرية تحت الضغط. الطاقة في مهب المخاطر. وقناة السويس وتحويلات المصريين تقفان في قلب العاصفة الاقتصادية المقبلة.