يبرز الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، النصوص الشرعية التي تدل على أن الأعمال مراتب، وأن الناس كذلك مراتب، لا يُعاملون جميعًا على درجة واحدة من الإيمان والالتزام.

 

ويؤكد العلامة أن هذا الفهم الدقيق يغيب عن بعض المتدينين حين يتعاملون مع المسلمين وكأنهم في مستوى واحد، فيطالبون الجميع بأن يكونوا من “سابقين بالخيرات” لا يخطئون ولا يزلّون، ويُسقطون اعتبار العصاة لأدنى زلّة، وربما أخرجوهم من الملة.

 

القرآن رسم إطار هذه المراتب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَاۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (فاطر: ٣٢)

 

هذه الآية تُقرِّر أن الأمة المصطفاة – أمة الإسلام – تشمل الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، وكلهم داخلون في دائرة الاصطفاء، لا يُخرجهم التقصير من أصل الانتماء للأمة.

 

أولًا: مراتب المؤمنين.. وظلم إخراج العصاة من دائرة الأمة

 

يفسر العلماء الظالم لنفسه بأنه الذي يُقصّر في بعض الواجبات ويرتكب بعض المحظورات، والمقتصد بأنه من يلتزم أداء الفرائض وترك المحرمات دون توسع في النوافل، أما السابق بالخيرات فهو من يزيد على الواجبات بالسنن والمستحبات، ويتجنب المحرمات والشبهات والمكروهات، بل يترك بعض المباحات حذرًا مما به بأس.

 

هذه المراتب الثلاث كلها تحت مظلة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾

 

لذا كان من “الخطل” – كما يصف النص – أن يُخرج بعض الناس من الملة لمجرد ظُلمهم لأنفسهم بالمعصية، أو أن نلغي الفروق بين المراتب ونتعامل مع الناس جميعًا على أن المطلوب أن يكونوا “سابقين بالخيرات” بلا هوادة.

 

من ثَمّ يقع بعض المخلصين في خطأ جسيم، حين يدفعهم الحماس إلى رمي المسلمين بالفسق والابتعاد عنهم لمجرد صغائر، أو لاختلاف فقهي في أمر مُشتبه، لم يَرقَ إلى الحرام المقطوع به، مع أن القاعدة المشهورة تقول: «حسنات الأبرار سيئات المقربين»؛ أي أن ما يُعد تقصيرًا في حق أهل المقامات العالية قد يكون مقبولًا من عامة المؤمنين.

 

القرآن نفسه فرّق بين الكبائر وصغائر الذنوب، واستثنى “اللمم” فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىۤ * ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم: ٣١–٣٢)

 

كما قرّر مبدأ عامًّا في آية أخرى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (النساء: ٣١)

 

فاجتناب الكبائر مع التوبة يجعل صغائر الذنوب غير قادحة في أصل الصلاح، ولا مُسقِطة لمقام الإحسان.

 

ثانيًا: “اللمم” وسعة المغفرة بين النظر والتوبة

 

في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾ يذكر الحافظ ابن كثير أن “اللمم” من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال، وأن المحسنين هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يُغفر لهم ويُستر عليهم. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...﴾ كقاعدة للتكفير عن السيئات.

 

ثم ينقل ابن كثير حديث ابن عباس المشهور، وفيه قال: «ما رأيت شيئًا أشبه باللَّمَم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: «إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".

 

ففسّر كثير من الصحابة والتابعين “اللمم” بمثل هذه النظرة واللمسة والقبلة والغمزة وما شابه، ما لم يصل الأمر إلى الزنا الكامل («ما لم يمسّ الختانُ الختانَ»).

 

التفسير الآخر المنقول عن ابن عباس أيضًا أن “اللمم” هو أن يُلمّ الإنسان بالفاحشة ثم يتوب، واستشهدوا بقول النبي ﷺ – فى الأثر المذكور –: «إن تغفر اللهم تغفر جَمّا، وأيُّ عبدٍ لك ما ألَمّا؟!»

 

ووجْه ذلك أن “الإلمام” في اللغة هو الوقوع العارض غير المستمر؛ يقال: ألممتُ به إذا زرته ثم انصرفت، وما فعلتُه إلا لمامًا أي بين الحين والآخر.

 

هذا الفهم يفتح باب الأمل: من لم يجعل الكبائر منهجًا ثابتًا في حياته، ولم يُصِرّ على الذنب، وظل يجاهد نفسه ويتوب، فدين الله يتسع له، ومغفرة الله – كما قال سبحانه –: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾.

 

ليس المطلوب إنسانًا لا يذنب، فهذا وصف الملائكة، وإنما المطلوب عبدًا يجتنب الكبائر، وإذا وقع في “اللمم” رجع وتاب، وداوى نقصه بالحسنات والتوبة والاستغفار.

 

ثالثًا: فقه عمر بن الخطاب في منع التنطع والتشدد

 

من أروع الدروس التربوية العملية في هذا الباب ما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ جاءه قوم اشتكوا من تقصير بعض الولاة في تطبيق ما يرونه من أحكام القرآن، فظنّوا أن الحل أن يُلزِم عمر الناس جميعًا بالصورة المثالية التي يتصورونها.

 

روى ابن جرير عن الحسن البصري وابن عون أن نفرًا التقوا عبد الله بن عمر في مصر، فقالوا: “نرى أشياء من كتاب الله أُمر أن يُعمل بها، لا يُعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين”. فلما قدموا مع ابن عمر على عمر بن الخطاب وسألوه، جمعهم في بهو، وأخذ يسأل كُلًّا منهم: “أنشدك بالله، وبحق الإسلام عليك: أقرأت القرآن كله؟”

 

فيقول: نعم.

 

فيسأله: “فهل أحصيتَه في نفسك؟ في بصرك؟ في لفظك؟ في أثرك؟”

 

فلا يجد أحدهم إلا أن يقول: “اللهم لا”.

 

حتى انتهى إلى آخرهم، ثم قال كلمته الشهيرة: «ثَكِلَتْ عُمَرًا أمُّه! أَتُكَلِّفونه أنْ يُقيم الناس على كتاب الله (أي بالصورة التي تفهمونها) ولم تقيموه في أنفسكم؟ قد عَلِمَ ربُّنا أن ستكون لنا سيئات»،
ثم تلا: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (النساء: ٣١)

 

وختم بتحذيرهم من إثارة فتنة، فقال – كما في الأثر – إنه لو علم أهل المدينة بما صنعوا لجعلهم عِبرة وعِظة لغيرهم.

 

هذا الفقه العمري الواعي أغلق باب التنطع في بدايته: لا أحد يزعم أنه أحاط العمل بكل ما في القرآن، ولا يُطالَب الناس جميعًا بمقام السابقين بالخيرات، ولا تُسقَط مرتبة مسلم لمجرد “لمم” أو صغائر، ما دام يجتنب الكبائر ويجاهد نفسه ويتوب.

 

هكذا تتكامل معاني الآيات: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ...﴾، و**﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ...﴾، و﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾، مع السنة النبوية وحديث اللمم، ومع موقف عمر، لتُرسم صورة متوازنة: شدة على الكبائر، وسعة في شأن الصغائر مع التوبة، ورحمة بضعف البشر، ورفض لحكم التشدد الذي لا يرحم الناس ولا يعرف مراتبهم مع الأعمال.