رحل رفعت الأسد في منفاه بالإمارات عن 88 عامًا، كما أكدت وكالات الأنباء الدولية، تاركًا خلفه سجلًّا من أكثر الصفحات سوادًا في تاريخ سوريا الحديث؛ من مجزرة سجن تدمر إلى مجزرة حماة، ثم سنوات طويلة من المنفى المرفّه في أوروبا، انتهت بإدانة قضائية في فرنسا ومحاولات لملاحقته بتهم جرائم حرب في سويسرا.
موته لا يُغلق الملف؛ بل يعيد فتح السؤال المرّ: كيف عاش المتهم الرئيسي في واحدة من أفظع المجازر في القرن العشرين حُرًّا طليقًا لعقود، بينما ظلت آلاف العائلات السورية تبحث عن مصير أبنائها تحت الأنقاض أو خلف جدران السجون؟
1. صعود الدم: من "سرايا الدفاع" إلى مجزرة تدمر
وُلد رفعت سليمان الأسد عام 1937 في القرداحة، القرية الجبلية التي خرج منها شقيقه الأكبر حافظ الأسد إلى حكم سوريا بانقلاب عام 1970. سريعًا، تحوّل رفعت من ضابط عادي إلى أحد أعمدة النظام الجديد، بعد أن أسندت إليه قيادة تشكيل عسكري خاص هو "سرايا الدفاع"، قوة نخبة قُدّر عدد أفرادها بعشرات الآلاف، تدين له بالولاء الشخصي ومكلَّفة بحماية النظام وقمع خصومه.
كان الاختبار الأول الأكثر دموية في يونيو 1980، بعد محاولة فاشلة لاغتيال حافظ الأسد. في اليوم التالي، سيقت وحدات من سرايا الدفاع إلى سجن تدمر الصحراوي، حيث اقتحم الجنود الزنازين وأعدموا في أقل من ساعة نحو ألف معتقل سياسي، معظمهم من الإسلاميين، في واحدة من أبشع المجازر داخل سجن في المنطقة.
منذ تلك اللحظة، ارتبط اسم رفعت الأسد بثنائية واضحة: رجل النظام القذر الذي يُرسَل حين يريد الحكم أن يبعث برسالة رعب إلى المجتمع، ثم يُعاد إلى الظل بلا مساءلة أو محاسبة.
2. حماة 1982.. مدينة تُسحق تحت جنازير "الأخ الأصغر"
في فبراير/شباط 1982، كانت مدينة حماة مسرحًا لانتفاضة مسلحة بقيادة "الطليعة المقاتلة" التابعة لجماعة الإخوان المسلمين ضد نظام الأسد. القرار في دمشق كان حاسمًا: سحق المدينة مهما كان الثمن. كُلِّف رفعت، بصفته قائد "سرايا الدفاع" وأحد أقوى الرجال في النظام، بقيادة العملية.
استمر الحصار والاقتحام قرابة شهر؛ قصف مدفعي مكثف، تدمير أحياء كاملة، إعدامات ميدانية، واختفاء آلاف الأشخاص. تقديرات عدد الضحايا تختلف: تقارير حقوقية تشير إلى ما بين 30 و40 ألف قتيل، بينما تتراوح تقديرات أخرى من 3 آلاف إلى 60 ألفًا، معظمهم من المدنيين، إلى جانب تدمير عشرات المساجد وثلاث كنائس على الأقل.
هذه المجزرة هي التي منحت رفعت لقب "جزار حماة" على ألسنة السوريين ومنظمات حقوقية وإعلام دولي. ومع ذلك، ظل هو نفسه، في مقابلات لاحقة، ينكر مسؤوليته المباشرة، ويحاول رميها على شقيقه حافظ، مدّعيًا أنه لم يكن يعرف "حتى أين تقع حماة".
بعد أربعة عقود، بدأ جزء من هذه المسؤولية يتحول من خانة "الذاكرة" إلى خانة "القضاء": ففي مارس 2024، أعلنت النيابة العامة السويسرية توجيه اتهامات رسمية لرفعت الأسد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية مجزرة حماة، وأحالته للمحاكمة قبل أن يداهمه المرض والموت.
3. انقلاب فاشل ومنفى مرفّه.. من "جزار" إلى ملياردير العقارات
بعد أن تضخّم نفوذه داخل الجيش والحزب، حاول رفعت في منتصف الثمانينيات تحويل قوته العسكرية إلى سلطة سياسية مباشرة. عقب مرض حافظ الأسد عام 1983، تحرك رفعت لوراثة الحكم، مستندًا إلى قوته داخل سرايا الدفاع وبعض دوائر الحزب. لكن المحاولة فشلت، وتحوّل "الرجل الثاني" إلى خطر داخلي على النظام، فكان القرار بإخراجه إلى خارج سوريا في "منفى ذهبي" بدل سجنه أو تصفيته.
منذ 1984، عاش رفعت عقودًا في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، حيث كوَّن إمبراطورية عقارية ضخمة: قصور، عمارات فاخرة، وأصول تقدر بعشرات ملايين اليوروهات. السؤال كان: من أين جاء ضابط سابق في دولة "اشتراكية فقيرة" بكل هذه الثروة؟
منظمات مكافحة الفساد، مثل "شيربا" الفرنسية، تابعت خيوط المال، لتتوصل إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الثروة يتأتى من أموال عامة سورية "محولة" عبر مشاريع واجهة وعمولات، فيما عُرف بقضية "الأموال المنهوبة".
في 2021، ثبتت محكمة الاستئناف في باريس حكمًا سابقًا بسجن رفعت أربع سنوات بعد إدانته بغسل أموال مصدرها اختلاس من المال العام السوري بين 1996 و2016، إلى جانب التهرب الضريبي، وأمرت بمصادرة أصوله في فرنسا التي قدّرت بنحو 90 مليون يورو، مع آلية لإعادتها للشعب السوري.
لكن بدل رؤية "جزار حماة" خلف القضبان، استغل ثغرات قانونية وسنّه المتقدم ليُسمح له بمغادرة فرنسا، فعاد إلى سوريا عام 2021 بجواز مرور سياسي، في صفقة غير معلنة مع نظام ابن أخيه بشار الأسد، قبل أن يغادرها مجددًا بعد سقوط النظام عام 2024.
4. إرث مفتوح: العدالة المؤجلة وذاكرة السوريين
رحيل رفعت الأسد لا يمحو اسمه من ملفات منظمات حقوق الإنسان. تقارير دولية، من بينها ملفات لمنظمة "ترايل إنترناشونال" والشبكة السورية لحقوق الإنسان، توثق مسؤوليته عن:
مجزرة سجن تدمر 1980، التي قُتل فيها نحو ألف معتقل سياسي.
قيادة القوات التي نفذت مجزرة حماة 1982، بحصيلة عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين وتدمير أحياء كاملة.
المشاركة في منظومة قمع ممنهجة شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري في عموم سوريا خلال السبعينيات والثمانينيات.
نهب المال العام السوري وتبييضه في أوروبا، بما حرم المجتمع من موارد كان يمكن أن تُستثمر في الصحة والتعليم والبنية التحتية بدل تمويل حياة البذخ لعائلة واحدة ودائرتها الضيقة.
بالنسبة لآلاف العائلات السورية، لا يُختصر اسم رفعت الأسد في لقب "جزار حماة" الذي يتكرر في وسائل الإعلام؛ بل في تفاصيل أكثر قسوة: بيت هُدم فوق أهله، مسجد اختفى من حارته، ابن خرج إلى سجن تدمر ولم يعد، أو مدينة كاملة عاش أهلها عقودًا تحت ظل الخوف، يخشون مجرد استعادة ما جرى.
اليوم، وبعد سقوط نظام بشار الأسد ومحاولة فتح ملفات العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة، يبقى سؤال رفعت حاضرًا: كيف يُبنى نظام عدالة حقيقي في بلدٍ مات كبار جلّاديه قبل أن يمثلوا أمام محكمة وطنية؟ وكيف يمكن تعويض الضحايا ماديًا ومعنويًا من ثروات نُهبت باسمهم وعلى حساب دمائهم؟
الإجابة لن تأتي من قبر في دبي أو من أرشيف محكمة في باريس أو ملف تحقيق في برن؛ بل من إصرار السوريين أنفسهم على ألا تتحول عبارة "مات الجزار" إلى ستار يُسدل على جراح لم تندمل بعد، وعلى تاريخ ما زال يطالب بأن يُكتب كاملًا، بالأسماء والوجوه والوقائع… لا بالألقاب فقط.

