يناقش الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، كيف وصل التطرف ذروته بالتكفير، حيث يُسقط عصمة الناس ويستبيح دماءهم وأموالهم، متهماً جمهور المسلمين بالخروج من الإسلام. هذا ما فعله الخوارج قديماً، متمسكين بالعبادات ظاهرياً لكن بفساد فكر، فوصفهم النبي ﷺ بأنهم يمرقون من الدين، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ويقتلون أهل الإسلام ويدعون المشركين. وقصة عالم نجا بنعته "مشرك مستجير" تُظهر تناقضهم.

 

وأوضح العلامة أن التكفير خطر يُحل دم المسلم ويُفرق أهله، فحذّر النبي ﷺ: "من قال لأخيه يا كافر باء بها أحدهما"، وفي حديث أسامة: لا تُخرج الشهادة إلا بيقين، والمعاصي لا تُكفر حتى الكبائر ما لم يُردّ الحكم. الشبهات مردودة بالقرآن والسنة، فكر بُعد عن الأمة من قرون.


أولاً - غاية التطرف وإسقاط العصمة

 

ويبلغ هـذا التطرف غايته، حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجة التكفير، واتهام جمهور الناس بالخروج من الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلا، كما هـي دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في واد، وسائر الأمة في واد آخر.

 

ثانيًا - نموذج الخوارج في فجر الإسلام

 

وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، والذين كانوا من أشد الناس تمسكا بالشعائر التعبدية، صياما وقياما وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر، لا من فساد الضمير.

 

زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومن ثم وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( يحقر ) [ ص: 53 ] ( أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم. ) ومع هـذا قال عنهم: ( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ووصف صلتهم بالقرآن فقال: ( يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ) وذكر علامتهم المميزة بأنهم ( يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان ) .

 

هذه العلامة الأخيرة هـي التي جعلت أحد العلماء، حين وقع مرة في يد بعض الخوارج ، فسألوه عن هـويته، فقال: مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله.

 

وهنا قالوا له: حق علينا أن نجيرك، ونبلغك مأمنك، وتلوا قول الله تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )(التوبة:6) ، بهذه الكلمات نجا " مشرك مستجير " ، ولو قال لهم: مسلم: لقطعوا رأسه!

 

ثالثًا - جماعة التكفير والهجرة وأفكارها

 

وما وقع لطائفة الخوارج قديما، وقع لأخلافهم حديثا، وأعني بهم من سموهم " جماعة التكفير والهجرة " .

 

فهم يكفرون كل من ارتكب معصية وأصر عليها، ولم يتب منها. وهم يكفرون الحكام، لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله.

 

ويكفرون المحكومين، لأنهم رضوا بهم، وتابعوهم على الحكم بغير ما أنزل الله.

 

وهم يكفرون علماء الدين وغيرهم، لأنهم لم يكفروا الحكام والمحكومين، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر.

 

وهم يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم، فلم يقبله، ولم يدخل فيما دخلوا فيه. [ ص: 54 ]

 

ويكفرون كل من قبل فكرهم، ولم يدخل في جماعتهم ويبايع إمامهم.

 

ومن بايع إمامهم ودخل في جماعتهم، ثم تراءى له - لسبب أو لآخر - أن يتركها، فهو مرتد حلال الدم.

 

وكل الجماعات الإسلامية الأخرى إذا بلغتها دعوتهم ولم تحل نفسها لتبايع إمامهم فهي كافرة مارقة.

 

وكل من أخذ بأقوال الأئمة، أو بالإجماع أو القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستحسان ونحوها، فهو مشرك كافر.

 

والعصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري، كلها عصور كفر وجاهلية، لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله! 

 

وهكذا أسرف هـؤلاء في التكفير، فكفروا الناس أحياء وأمواتا بالجملة، هـذا مع أن تكفير المسلم أمر خطير، يترتب عليه حل دمه وماله، والتفريق بينه وبين زوجه وولده، وقطع ما بينه وبين المسلمين, فلا يرث ولا يورث ولا يوالي، وإذا مات لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.

 

رابعًا - خطورة التكفير في نصوص الشرع

 

ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاتهام بالكفر، فشدد التحذير، ففي الحديث الصحيح: ( من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما ) فما لم يكن الآخر كافرا بيقين، فسترد التهمة على من قالها، ويبوء بها، وفي هـذا خطر جسيم. [ ص: 55 ]

 

وقد صح من حديث أسامة بن زيد : أن من قال: " لا إله إلا الله " فقد دخل في الإسلام وعصمت دمه وماله، وإن قالها خوفا أو تعوذا من السيف، فحسابه على الله، ولنا الظاهر، ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل في المعركة بعد أن نطق بالشهادة، وقال: قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: ( إنما قالها تعوذا من السيف؟ قال: هـلا شققت قلبه؟ ما تصنع بـ (لا إله إلا الله؟!!) قال أسامة: فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ فقط ) .

 

ومن دخل الإسلام بيقين لا يجوز إخراجه منه إلا بيقين مثله، فاليقين لا يزول بالشك، والمعاصي لا تخرج المسلم من الإسلام، حتى الكبائر منها. كالقتل، والزنى، وشرب الخمر. ما لم يستخف بحكم الله فيها، أو يرده ويرفضه.

 

ولهذا أثبت القرآن الأخوة الدينية بين القاتل المتعمد وولي المقتول المسلم، بقوله: ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان )(البقرة:178) ، ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن لعن الشارب الذي عوقب في الخمر أكثر من مرة: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله. )

 

وفاوتت الشريعة بين عقوبة القتل والزنى والسكر، ولو كانت كلها كفرا، لعوقب الجميع عقوبة المرتد.

 

خامسًا - رد الشبهات وإغلاق باب الغلو

 

وكل الشبهات التي استند إليها الغلاة في التكفير، مردودة بالمحكمات البينات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو فكر فرغت منه الأمة منذ قرون، فجاء هـؤلاء، يجددونه، وهيهات... [ ص: 56 ]