في مشهد يعكس حالة "الانهيار الإداري" الذي يضرب قطاع الزراعة، عاد ملف الأسمدة ليتصدر واجهة الأزمات مع بداية الموسم الشتوي 2025، ولكن هذه المرة بصرخات أعلى وتحذيرات أشد. النائب محمد عبد الله زين الدين، عضو مجلس النواب، أطلق جرس إنذار أخير، مؤكداً أن أزمة الأسمدة لم تعد مجرد نقص عابر، بل تحولت إلى "خطة ممنهجة" لعصر الفلاحين، خاصة صغار المزارعين الذين وجدوا أنفسهم فريسة سهلة بين مطرقة الجمعيات الزراعية الخاوية وسندان السوق السوداء التي يديرها كبار المحتكرين تحت سمع وبصر الحكومة.
أرقام تفضح الفشل: 6 أضعاف السعر الرسمي!
تكشف لغة الأرقام عن فجوة سعرية مرعبة تؤكد غياب الرقابة وتواطؤ الأجهزة التنفيذية. فبينما تُعلن وزارة الزراعة في بياناتها "الوردية" أن سعر شيكارة اليوريا المدعمة في الجمعيات لا يتجاوز 269 جنيهاً، وسعر شيكارة النترات 264 جنيهاً (بواقع 4500-5000 جنيه للطن)، يفاجأ الفلاح على أرض الواقع بأن هذه الأسعار "حبر على ورق".
في السوق السوداء، التي أصبحت المصدر الوحيد المتاح، قفز سعر الشيكارة إلى أرقام فلكية تتراوح ما بين 1500 إلى 1700 جنيه، أي ما يعادل 6 أضعاف السعر الرسمي. هذا الجنون السعري يعني أن تكلفة تسميد الفدان الواحد قد تلتهم كل أرباح المحصول، مما يدفع آلاف الفلاحين إما لتقليل الكميات المستخدمة -وهو ما يهدد بانهيار إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية كالقمح- أو هجر الأرض والديون تلاحقهم.
"كارت الفلاح".. خدعة الحكومة الذكية لتقليل الدعم
المنظومة التي سوقت لها حكومة الانقلاب باعتبارها الحل السحري، "كارت الفلاح الذكي"، تحولت إلى أداة لتعقيد الصرف وحرمان المستحقين. الشكاوى المتداولة تؤكد أن "السيستم واقع" هي الجملة الأكثر تردداً في الجمعيات الزراعية، بينما الأسمدة تتسرب من الأبواب الخلفية لهذه الجمعيات لتباع في السوق السوداء.
ويشير النائب زين الدين إلى أن الأزمة "مفتعلة"، فمصر تنتج ما يكفي وزيادة من الأسمدة، حيث يتجاوز الإنتاج المحلي حجم الاستهلاك الفعلي، لكن "مافيا التصدير" التي تحظى برعاية حكومية تفضل بيع السماد بالدولار في الخارج على توفيره للفلاح المصري، تاركة السوق المحلي يعاني العطش، في سياسة واضحة: "العملة الصعبة أهم من بطن المواطن".
مصانع معطلة بقرار سيادي: الغاز لإسرائيل، والظلام للمصانع
الجريمة الأكبر التي ترتكبها الحكومة هي قطع إمدادات الغاز الطبيعي عن مصانع الأسمدة الوطنية، وتحويلها للتصدير أو الاكتفاء بالاستيراد من الكيان الصهيوني الذي يتحكم في "محبس" الغاز. التقارير أكدت توقف مصانع كبرى (مثل موبكو وأبو قير) عن العمل لفترات طويلة خلال عام 2025 بحجة "نقص الغاز" وتفعيل خطط الطوارئ، مما خلق نقصاً حاداً في المعروض.
هذا القرار الحكومي بوقف المصانع هو الذي أشعل فتيل السوق السوداء. فكيف لدولة تزعم أنها مركز إقليمي للطاقة أن تعجز عن توفير الغاز لمصانع أسمدة تعتبر "أمن قومي غذائي"؟ الإجابة واضحة: الحكومة تفضل تصدير الغاز الخام أو استخدامه في محطات الكهرباء لتفادي انقطاع التيار (خوفاً من غضب الشارع)، وتضحي بالقطاع الزراعي الذي يعتبر الحلقة الأضعف في حساباتها.
صرخات الفلاحين: "الأرض بتموت والحكومة بتتفرج"
من الدلتا إلى الصعيد، تتطابق شكاوى المزارعين:
• التلاعب في الحصص: يتم صرف شيكارة واحدة أو اثنتين بدلاً من الحصة المقررة (4-6 شكاير)، ويُقال للفلاح "تعالى الشهر الجاي"، ليضطر للشراء من التاجر المجاور للجمعية بأسعار مضاعفة.
• إلزامية التوريد: الحكومة تجبر الفلاح على توريد القمح والبنجر بأسعار لا تغطي التكلفة، بينما تتركه فريسة لمافيا الأسمدة والمبيدات، في معادلة خاسرة من الطرفين.
الخلاصة: زراعة "على حافة الهاوية"
إن ما يحدث ليس مجرد سوء إدارة، بل هو "تجريف متعمد" للرقعة الزراعية. الحكومة التي فشلت في إدارة ملف المياه (سد النهضة)، وتفشل اليوم في توفير السماد، تدفع البلاد نحو مجاعة محققة. إن استمرار الفلاح في شراء السماد بـ 1700 جنيه للشيكارة يعني ببساطة أن رغيف الخبز والخضروات ستصبح سلعاً ترفيهية للمواطن المصري قريباً.
الحل ليس في تصريحات وردية من وزير الزراعة، بل في وقف تصدير الأسمدة فوراً حتى الاكتفاء الذاتي، ومحاكمة رؤوس الفساد في الجمعيات الزراعية، وتوفير الغاز للمصانع بدلاً من رهنه للقرارات الخارجية. وبغير ذلك، فإن حكومة الانقلاب تعلن رسمياً وفاة الفلاح المصري.

