في خطوة جديدة تكشف عن عمق المأزق المالي الذي تعيشه البلاد، وعجز "حكومة الانقلاب" عن إيجاد حلول جذرية للأزمة الاقتصادية المستفحلة، أعلن البنك المركزي المصري عن طرح أذون خزانة دولارية جديدة بقيمة 950 مليون دولار، في الوقت الذي تروج فيه السلطة لـ"إنجازات وهمية" تتعلق بارتفاع الاحتياطي النقدي، بينما تلجأ لاستحداث أدوات دين جديدة تحت مسمى "الصكوك الإسلامية" لرهن ما تبقى من مستقبل البلاد للدائنين.

 

إعادة تدوير الفشل: استدانة لسداد الديون

 

يأتي إعلان البنك المركزي عن طرح أذون خزانة مقومة بالدولار لأجل عام بقيمة 950 مليون دولار في مزاد أول ديسمبر، ليؤكد استمرار النظام في سياسة "إطفاء الحرائق" عبر الاقتراض. هذا الطرح الجديد ليس إلا حلقة في سلسلة مفرغة من "تدوير الديون"، حيث تقترض الحكومة لسداد استحقاقات ديون سابقة، دون أن يدخل دولار واحد من هذه الأموال في شرايين الاقتصاد الحقيقي أو الإنتاج.

 

وتكشف هذه الخطوة زيف الشعارات الحكومية حول التعافي الاقتصادي، إذ يظل الاقتصاد المصري رهينة لـ"الأموال الساخنة" وأدوات الدين قصيرة الأجل، مما يضع المالية العامة في وضع حرج دائم، ويجعل القرار الاقتصادي المصري مكبلاً بقيود الدائنين وشروطهم المجحفة.

 

خديعة الاحتياطي: بريق الذهب يستر عجز الدولار

 

وفي محاولة لصرف الأنظار عن الأزمة، تباهت البيانات الرسمية بارتفاع صافي الاحتياطي الأجنبي إلى 50.071 مليار دولار في أكتوبر الماضي. لكن القراءة الفاحصة للأرقام تكشف التلاعب الحكومي؛ فالزيادة في الأرصدة لم تنتج عن طفرة إنتاجية أو تدفقات نقدية حقيقية، بل جاءت مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع "تقييم" أرصدة الذهب نتيجة صعود الأسعار العالمية.

 

وبحسب بيانات البنك المركزي نفسه، ارتفعت قيمة الذهب بنحو 702 مليون دولار، بينما لم تضف الحكومة لرصيدها الفعلي سوى كمية هزيلة بلغت 780 أونصة فقط. هذا يعني أن الحكومة تبيع للمواطنين "الوهم"، وتعتمد على فقاعة الأسعار العالمية لتجميل ميزانيتها العمومية، بينما يظل الغطاء النقدي الحقيقي للدولة هشاً ومعرضاً للتبخر مع أي هزة في أسواق المعادن العالمية.

 

الصكوك السيادية: "أسلمة" الديون ورفع تكلفة الفشل

 

لم تكتفِ السلطة بأدوات الدين التقليدية، بل لجأت إلى استنزاف السيولة المحلية عبر طرح أول إصدار من "الصكوك السيادية" بقيمة 3 مليارات جنيه. ورغم ترويج وزارة المالية لهذا الطرح باعتباره نجاحاً "تغطى 5 مرات"، إلا أن الحقيقة المرة تكمن في سعر العائد الذي بلغ 21.56%.

 

هذا السعر الفاحش، وإن كان أقل هامشياً من السندات التقليدية، يعكس حجم المخاطرة التي يراها المستثمرون في إقراض الحكومة المصرية. إن التوسع في هذا البرنامج، الذي يستهدف جمع 200 مليار جنيه، لا يعني سوى تحميل الموازنة العامة أعباءً إضافية هائلة تحت مسمى "التوافق مع الشريعة"، ليتحول الدين العام إلى غول يلتهم أي مخصصات محتملة للتعليم أو الصحة أو الخدمات العامة.

 

المواطن يدفع الثمن

 

إن استراتيجية "تنويع مصادر التمويل" التي تتشدق بها وزارة المالية ليست سوى تنويع لـ"مصادر التوريط" المالي. فبينما تتحدث الحكومة عن تحسن إيرادات السياحة وتحويلات المصريين، يلتهم غول "خدمة الدين" هذه الإيرادات، تاركاً المواطن المصري فريسة للتضخم وانخفاض القوة الشرائية.

 

ختاماً، تؤكد هذه التحركات أن النظام الحالي لا يملك رؤية للخروج من النفق المظلم، بل يواصل الهروب إلى الأمام عبر مراكمة الديون (سواء بالدولار أو الجنيه، سندات أو صكوكاً)، مُورثاً الأجيال القادمة تركة ثقيلة من الالتزامات المالية التي قد تعصف باستقلال القرار الوطني لسنوات طويلة قادمة.