يموج العالم بتمرد شبابي عابر للقارات يقوده جيل Z من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا ضد نخب سياسية عاجزة عن تقديم أي أفق للمستقبل. ويتزامن هذا الحراك العالمي مع انعقاد منتدى مصر في شهر أكتوبر الجاري، حيث استبدلت السلطة الحلول الاقتصادية بتبرير الفشل ودغدغة المشاعر، متجاهلة الذل والفقر اللذين يطحنان ملايين المصريين.
🚨 جيل Z يتمرّد.. وغضبه يعبر القارات 🌍🔥 من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا، شباب يملؤون الشوارع رفضًا لنخب عاجزة عن تقديم أي أفق. إنها ليست احتجاجات عابرة، بل جيل كامل يعيد كتابة القواعد ويطالب بحقه في تقرير مستقبله. https://t.co/3sGMGJR4dY
— تيسير البلبيسي (@Taysirbalbisi) October 21, 2026
ومن هنا، يتصاعد التساؤل الملح داخل الشارع المصري حول إمكانية انتقال شرارة هذا التمرد الجيلي إلى القاهرة، بعد أن سدت السياسات الرسمية كافة منافذ الأمل أمام الشباب. فبينما يعيد شبان العالم صياغة القواعد وانتزاع حقهم في تقرير مصيرهم، يواجه نظراؤهم في مصر واقعاً معيشياً خانقاً يدفعهم نحو حافة الانفجار الوشيك.
منتدى التبرير ودغدغة المشاعر الزائفة
وفي هذا السياق، أطلق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في التاسع عشر من شهر أكتوبر الجاري فعاليات منتدى مصر وسط حشد رسمي، مصدّراً خطاباً عاطفياً يفتقر إلى أي معالجات جذرية للأزمة المتفاقمة. وبدلاً من مصارحة الشعب بحجم الكارثة، لجأ الخطاب الرسمي إلى مطالبة المطحونين بالصبر وتحمل قسوة الغلاء بدعوى الحفاظ على بقاء الدولة.
علاوة على ذلك، تملص قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي من مسؤولية الإفقار الممنهج، ملقياً باللائمة على الزيادة السكانية التي قاربت ثلاثين مليون نسمة منذ شهر يناير عام ألفين وأحد عشر. وتتجاهل هذه المبررات المكررة حقيقة إهدار تريليونات الجنيهات في مشروعات استعراضية فاقمت الديون وأغرقت البلاد في التضخم والركود.
وبالتوازي مع تلك الخطابات، تهاوت قيمة العملة المحلية ليتخطى سعر الدولار حاجز أربعة وخمسين جنيهاً خلال شهر أكتوبر الجاري، مما ضاعف من تآكل الأجور وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين. ويعيش المصريون تحت وطأة غلاء فاحش يلتهم مداخيلهم اليومية، ويحول توفير الغذاء والدواء إلى معركة بقاء تذل أرباب الأسر.
وفي غضون ذلك، انعقدت جلسات المنتدى داخل فندق فخم بالعاصمة الإدارية الجديدة تحت شعار بناء الإنسان، في مفارقة صارخة تعكس انفصال النخبة الحاكمة عن بؤس الشارع المصري. وتستفز مظاهر البذخ الرسمي مشاعر ملايين الفقراء الذين يعانون من تدهور الخدمات الأساسية وانقطاع الأفق أمام أبنائهم الخريجين.
وفضلاً عن ذلك، يكتفي قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بترديد عبارات إنشائية تزعم أن كل شيء سيتحسن ما دام المواطنون يعيشون على أرضهم، دون تقديم جدول زمني لإنقاذ الاقتصاد. وتعمق هذه الاستخفافات بعقول الشباب فجوة انعدام الثقة بين المجتمع وسلطة تستبدل الكفاءة الإدارية بالدعاية السياسية المفرغة من المضمون.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور مصطفى شاهين، أستاذ الاقتصاد بالجامعات الأمريكية، أن قروض صندوق النقد الدولي والمسكنات المالية لن تنتشل مصر من انهيارها الاقتصادي؛ نظراً لتضخم الديون والتزامات السداد. ويشدد الخبير الاقتصادي على أن هيمنة الدولة على الاقتصاد والاعتماد على سياسة الجباية يغلقان المناخ العام أمام أي استثمار حقيقي.
ونتيجة لذلك، تتحول المؤتمرات والمنتديات الحكومية إلى منصات دعائية لمخاطبة الدائنين الدوليين، بينما يكتوي الشارع بنيران الضرائب والرسوم المتلاحقة التي تفرضها السلطة لسد عجز الموازنة. ولا يجد الشاب المصري في تلك المحافل سوى صدى لوعود زائفة تكررت طوال عقد كامل دون أن تثمر سوى المزيد من الإفقار.
وبناءً عليه، يتعاظم الاحتقان داخل الصدور مع إدراك الأجيال الشابة أن السلطة تفتقر لأي إرادة حقيقية لتغيير نهجها الاقتصادي الذي رهن مقدرات البلاد للدائنين. ويمهد هذا الانسداد المعيشي الطريق لتحولات جذرية في وعي جيل كامل لم يعد يقبل بمقايضة كرامته وحريته بأوهام الاستقرار الشكلي.
طوفان جيل Z يعبر القارات
وعلى صعيد متصل، يجتاح العالم طوفان شبابي يقوده جيل Z من ليما وأنتاناناريفو إلى الرباط وليون، حيث يملأ الشبان الشوارع رفضاً لنخب سياسية عاجزة عن تلبية تطلعاتهم. ويشترك هؤلاء المحتجون عبر القارات في رفض الفساد والمحسوبية وتردي الخدمات العامة، مطالبين باستعادة حقهم المسلوب في صياغة المستقبل.
وفي أمريكا اللاتينية، انتفض شباب جيل Z في بيرو وباراغواي خلال شهر سبتمبر الماضي ضد قوانين التقاعد الجائرة وتفشي البطالة، متصدين بصدورهم لآلة القمع الأمني والغاز المسيل للدموع. ورفع المتظاهرون شعارات ترفض هيمنة النخب الفاسدة، مؤكدين أن الأغلبية الساحقة من الشعب لن تخضع لسياسات التهميش والإفقار.
وامتداداً لهذا الغضب، أطاحت احتجاجات جيل Z في مدغشقر خلال شهر أكتوبر من العام الماضي برئيس البلاد أندري راجولينا، الذي فر هارباً بعد أسابيع من التظاهر ضد انقطاع الكهرباء والماء. وقبلها في شهر أغسطس عام ألفين وأربعة وعشرين، أجبرت ثورة الطلاب والشباب في بنغلاديش رئيسة الوزراء حسينة واجد على الاستقالة والفرار.
وفي القارة الأفريقية أيضاً، أرغم حراك جيل Z في كينيا خلال شهر يونيو عام ألفين وأربعة وعشرين الحكومة على سحب مشروع قانون الضرائب المجحف بعد اقتحام المتظاهرين لمبنى البرلمان. وبرهن الشباب الكيني عبر التعبئة الرقمية أن التنظيم اللامركزي قادر على كسر شوكة الأنظمة التي تفرض الجباية لإرضاء المؤسسات المالية.
أما في العالم العربي، فقد خرجت حركة جيل Z في المغرب منذ أواخر شهر سبتمبر الماضي تحت شعار نريد مستشفيات لا ملاعب، رفضاً لإهمال قطاعي الصحة والتعليم وتفشي البطالة. وحوّل الشبان المغاربة الغضب الرقمي إلى حراك ميداني واسع وضع السلطة أمام مساءلة شعبية غير مسبوقة رغم حملات الاعتقال الأمنية.
وإلى جانب ذلك، وصلت شرارة التمرد الجيلي إلى قلب أوروبا خلال شهر أكتوبر الجاري، حيث شهدت مدينة ليون ومدن فرنسية أخرى احتجاجات شبابية عارمة تسعى للقطيعة مع سياسات الحكومة. وتوحدت هذه الساحات المتباعدة جغرافياً تحت راية رمزية واحدة تتمثل في علم القراصنة المستوحى من سلسلة الرسوم المتحركة ون بيس كشعار للحرية.
وفي قراءتها لهذا المشهد، توضح سارة سوجار، الباحثة الحقوقية والمحامية، أن احتجاجات جيل Z تعكس وعياً جيلياً جديداً ينتقل بسلاسة من التعبئة الرقمية إلى الفعل الميداني المباشر في الشوارع. وتؤكد الباحثة الحقوقية أن الاستثمارات المعلنة لا تكفي لتحسين حياة المواطنين دون تفكيك منظومة الريع ومحاسبة المفسدين.
وتأسيساً على ما سبق، يثبت هذا الحراك العابر للحدود أن جيل Z يمتلك أدوات تواصل وتنظيم تتجاوز الأطر الحزبية التقليدية التي نجحت الأنظمة طويلاً في تدجينها أو حصارها. ويراقب الشباب المصري هذه الانتفاضات العالمية عبر شاشات هواتفهم يومياً، مستلهمين منها دروس التحدي وكسر حاجز الخوف.
بركان الغضب الشبابي في مصر
وعند إسقاط هذا المشهد العالمي على الواقع المحلي، تتلاقى كافة مسببات الانفجار التي حركت جيل Z حول العالم داخل البيئة المصرية بصورة أكثر قسوة وحدة. فيصطدم ملايين الشبان المصريين بجدار مسدود يجمع بين البطالة المقنعة وانهيار الأجور، وبين غياب الكرامة الإنسانية وتجريم أي تعبير سلمي عن الغضب.
وعلى الرغم من القبضة الأمنية الحديدية، يختزن الجيل الجديد في مصر طاقة غضب هائلة؛ كونه لم يجنِ من سنوات حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي سوى الديون والغلاء وتراجع مستوى التعليم. ولا تنطلي على هذا الجيل المتصل بالعالم رقمياً سرديات المؤامرة الكونية أو محاولات التخويف المكررة من مصير الدول المجاورة.
وبالإضافة إلى الأزمة المعيشية، تضاعف سياسات الإذلال اليومي من احتقان الشباب الذين يرون الفوارق الطبقية الفجة بين سكان القصور الرئاسية والمدن الجديدة وبين الملايين المكدسة في المناطق المهمشة. وتغذي هذه المظالم المتراكمة شعوراً جماعياً بالاغتراب داخل الوطن، مما يجعل فكرة التمرد خياراً وجودياً لاسترداد الحياة المسروقة.
وفي المقابل، تفشل الجلسات الحوارية المعلبة التي عقدتها السلطة في شهر أكتوبر الجاري في استيعاب طموحات جيل يرفض الوصاية الأبوية ويسخر من الشعارات الرسمية عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويدرك الشبان أن تمكين الشباب المزعوم في المنتديات لا يتعدى كونه ديكوراً سياسياً يقتصر على فئة منتقاة بعناية لترديد صدى السلطة.
وفي هذا الصدد، يبين الدكتور عمار علي حسن، الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، في شهر أكتوبر الجاري، أن إغلاق المجال السياسي يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمة الاقتصادية. ويشدد الباحث السياسي على أن النمو القائم على الاقتراض دون إنتاج حقيقي يحرم المجتمع من التنمية ويفجر الغضب الشعبي.
ومن ناحية أخرى، يفقد الخطاب العاطفي الذي يتبناه قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مفعوله التخديري أمام جيل يقارن واقعه البائس بقدرة أقرانه في دول الجنوب العالمي على إسقاط الحكومات الفاشلة. فلم تعد عبارات دغدغة المشاعر تطعم جائعاً أو توفر فرصة عمل لخريج جامعي يطارده شبح الفقر والبطالة.
وعليه، فإن الرهان الرسمي على استمرار الصمت الشعبي بفعل القمع الأمني يتجاهل طبيعة جيل Z الذي يتحرك بلا قيادات مركزية يسهل استهدافها أو التفاوض معها. وتتحول الشبكات الرقمية في مصر تدريجياً إلى مساحات لتشكيل وعي جمعي معارض ينتظر اللحظة الفارقة للانتقال من العالم الافتراضي إلى الميادين.
وخلاصة القول، إن استمرار السلطة في نهج الإفقار وتبرير الفشل عبر المنتديات الشكلية يضع مصر فوق فوهة بركان شبابي يوشك على الانفجار في أي لحظة. وحينما يقرر جيل Z المصري النزول إلى الشارع لكتابة قواعده الخاصة، فلن تجدي معه خطب الاستعطاف ولا جدران الخوف التي شيدها النظام طوال سنوات.

