تعد حرب اليمن (1962 - 1967)، التي شاركت فيها مصر لدعم الثورة اليمنية ضد النظام الإمامي الملكي، واحدة من أبرز الأسباب لدى الفريق الرافض لمشاركة الجيش المصري في الدفاع عن السعودية ضد الحوثيين، بعد أن كبّدت مصر خسائر بشرية، عسكرية، واقتصادية فادحة، اعتبرها المؤرخون الاستراتيجيون أحد الأسباب الرئيسة التي مهدت لضعف الجبهة المصرية في حرب يونيو 1967.

 

كانت التضاريس الجبلية الوعرة وحرب العصابات التي خاضتها القبائل الموالية للملكيين سببًا في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين. 

 

 

حسائر بشرية فاددحة

 

وفقُا للتقديرات التاريخية المعتمدة، فإن عدد القتلى من الجيش المصري في اليمن تراوح بين 10 إلى 15 ألف قتيل من الضباط والجنود. وتجاوز عدد الجرحى والمصابين والمفقودين حاجز 20 ألف مصاب، عاد الكثير منهم بإصابات وعاهات مستديمة تطلبت رعاية طبية طويلة المدى.


وتعرضت الآليات العسكرية، والدبابات، وعربات النقل، والطائرات، لعملية استهلاك وإهلاك شديدة نتيجة طبيعة الصخور والجبال الوعرة والكمائن المستمرة، فضلاً عن صعوبة خطوط الإمداد والتموين عبر البحر والجو لمسافات تتجاوز آلاف الكيلومترات.


وأدى تشتيت خيرة قوات النخبة المصرية (مثل المظلات والصاعقة والمشاة) في الجبال اليمنية، وبقاؤها هناك لسنوات في حرب استنزاف قبل سحبها على عجل، إلى إنهاك بدني وتكتيكي للجيش، مما حرم الجبهة في سيناء من كفاءة هذه القوات وجاهزيتها للتصدي للعدوان الإسرائيلي في يونيو 1967.

 

 

عبء اقتصادي كبير


كما شكّلت الحرب عبئًا ماليًا خانقًا على الاقتصاد المصري الذي كان يمر بمرحلة بناء وتنمية (خطة السنوات الخمس الأولى). وتقدر الوثائق التاريخية أن كلفة الحرب كانت تستنزف ما يقرب من مليون دولار يوميًا (بتقييم الستينيات)، وهو رقم ضخم جدًا بمقاييس ذلك الوقت. وأدت الحرب إلى استنزاف الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر، وارتفاع معدلات التضخم، والاعتماد المفرط على القروض الخارجية، مما تسبب في أزمة اقتصادية خانقة في النصف الثاني من الستينيات وتوقف بعض مشروعات التنمية الداخلية.

 

 

شهادة اللواء محمد رشاد

 

وتعزز شهادة اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق وأحد المشاركين في اليمن؛ وجهة نظر الرافضين لانخراط مصر في الصراع العسكري ضد الحوثيين، من خلال استدعاء خسائر مصر في حرب اليمن خلال ستينات القرن الماضي.

 

وأدلى رشاد بشهادته حول مشاركته في تلك الحرب عبر صفحته في موقع "فيسبوك"، إذ كان ضمن عناصر الجيش المصري التي حاربت في اليمن لمده سنة ونصف، وكان قائدًا لسرية مشاة ضمن الكتيبة السادسة مشاة التي دفعت على عجل إلى اليمن، باعتبارها أقرب وحده للوصول لليمن، نظرًا لأنها كانت متمركزة في جبل الطور، لاحتمالات سحب قوات الطوارئ الدولية في شرم الشيخ آنذاك.

 

 

وأضاف: "والسبب لهذا التحرك المفاجئ فك حصار صنعاء وغادرنا وفور وصولنا تحرك جزء من الكتيبه جوًا، ووصلت صنعاء، وكان لابد من فك حصار صنعاء في منطقه شارية، التي تمركزت فيها القوات المحاصرة، والتي نصبت كمينًا للكتيبة 79 مظلات بقيادة المرحوم المقدم ماهر بدوي وقضت على رئاسة الكتيبة والسرايا المعاونة بحرق عرباتهم وهم بداخلها".


 
واستعاد تفاصيل المعركة التي بدأت مدعمة بسرية مظلات، وكان حاضرًا السلال قائد الثورة، ومعه أنور السادات، ونجحت مهمة فك الحصار، ثم توجهتن القوة بعد ذلك إلى منطقة رايدة لفتح طريق الإمداد للقوات المصرية في منطقه الجرف، ثم اتجهت بعد ذلك إلى منطقة صعدة، حيث مكثت فيها حوالي 30 يومًا ثم صدرت الأوامر بالتحرك إلى منطقة الحدود اليمنية آلسعودية على مسافه 70 كم شمال صعدة، واحتلال أعلى قمة جبال فيها وكان يطلق عليه "الجبل الأسود" في نطاق قبيلة "جماعة".


وبحسب روايته، فإن تلك الجماعة "كانت مؤيدة للثورة، إلا أنها فجأة انقلبت عليها وبدأت في الهجوم علينا في معركة لمدة 4 أيام كبدناهم فيها خسائر كبيرة، وانسحبت من المواقع التي احتلتها، واستمريت في هذه المنطقه حوالي 12 شهرًا للتعامل مع القبائل التي انقلبت على الثوره، وعدنا إلى الوطن بعد أن قضينا باليمن سنة ونصف عايشت فيها جبالها وصعوبة الحرب فيها وتضاريسها".


وخلص رشاد من ذلك إلى اتخاذ موقف رافض لانخراط مصر عسكريًا في الصراع ضد الحوثيين، لأنه "لا ًجدوى من الصراع مع الحوثيين، لأنها قوة عسكرية لايستهان بها محصنة في جبال وكهوف تساعدها في صمودها، ولذلك فإن كلا أطراف الصراع لن يستطيع حسم المعركة لصالحه، واستمرار المواجهة ستؤدي إلى مزيد من الخسائر لكلا الطرفين".


لذلك، شدد على أنه "بدلاً من استمرار المواجهة التي لن يحسمها أي طرّف لصالحه، فلا بد من البحث عن أفق سياسي من خلال أي مبادرة سياسية  لوقف الصراع والوصول إلى حل سياسي لاستقرار اليمن يشكل الحوثيون طرفًا فيه ولا بديل آخر لإنهاء الأزمة بين السعودية والحوثيين".