في صباح من عام 1993، دخلت الكاتبة الأمريكية إليزابيث جيلبرت مكاتب إحدى المجلات الشهيرة في مدينة نيويورك، وطلبت الحصول على وظيفة كاتبة. لم يكن لديها موعد مسبق، ولا خبرة مهنية، ولا مقال واحد منشور باسمها. لكنها كانت قد توصلت إلى قناعة مفاجئة: لن يطرق أحد بابها يومًا ليخبرها بأنه يعرف أن كاتبة موهوبة تعيش هنا، وأنه يريد مساعدتها على بناء مسيرتها المهنية. كان عليها أن تبادر بنفسها وتطرق الأبواب.
وفي مقال نشره موقع أوبرا، تروي جيلبرت كيف دفعتها هذه القناعة إلى خوض تجربة جريئة رغم إدراكها لاحتمال الفشل. وترى الكاتبة، المعروفة بأعمالها التي تستكشف الإبداع والنمو الشخصي والسعي إلى حياة ذات معنى، أن التعبير الصريح عن الرغبات وطلب ما نريده يمثلان بداية مهمة نحو تحقيق أهدافنا، حتى عندما تبدو فرص النجاح محدودة.
الشجاعة في طلب ما نريد.. خطوة أولى نحو التغيير
تقول جيلبرت إنها دخلت مقر المجلة مباشرة من الشارع وطلبت تعيينها مراسلة، لكنها لم تحصل على الوظيفة. وتضيف مازحة أن النتيجة لم تكن مفاجئة؛ فالمسؤولون لم يكونوا سذّجًا، بينما لم تكن هي مؤهلة للوظيفة على الإطلاق.
ومع ذلك، لا تزال الكاتبة تعتبر تلك اللحظة واحدة من أهم اللحظات في حياتها، لأنها كانت الأكثر جرأة. فعندما عادت إلى منزلها في ذلك اليوم، ظلت مفلسة ومجهولة، لكنها أدركت على الأقل أنها تحلّت بالشجاعة. ولم تعد مضطرة إلى تحمل ألم التساؤل عما كان سيحدث لو أنها حاولت.
وقبل نحو 800 عام، كتب الشاعر والمتصوف الفارسي جلال الدين الرومي: «عليك أن تطلب ما تريده حقًا». وقد رأى الرومي في الطلب واجبًا مقدسًا، وهي فكرة تتفق معها جيلبرت، لا لأنها تعتقد أن الأمنيات ستتحقق تلقائيًا، بل لأن مجرد التصريح بصوت مسموع: «هذا أنا، وهذا ما جئت من أجله»، يبدو كأنه يوقظ قوة هائلة داخل الإنسان.
فعندما نعبّر بوضوح عن أمنياتنا، فإننا نعلن جديتنا في السعي إلى تحقيق أمر جديد ومهم في حياتنا. ولا يعني ذلك أن الطريق سيصبح سهلًا أو أن الآخرين سيستجيبون لطلباتنا بالضرورة، وإنما يعني أننا اتخذنا خطوة فعلية نحو ما نطمح إليه، بدلًا من الاكتفاء بالتفكير فيه وانتظار أن تأتي الفرص إلينا.
لماذا يصعب على النساء طلب ما يردنه؟
لكن طلب ما نريده حقًا، سواء أكان وظيفة في مجال الكتابة أم خصمًا عند شراء إطارات السيارات، قد يكون أمرًا صعبًا، وخصوصًا بالنسبة إلى النساء، بحسب جيلبرت.
توضح الكاتبة أن الخطوة الأولى تتمثل في معرفة ما نريده فعلًا، وهو أمر قد يصعب على من نشأن على إرضاء الآخرين وتقديم احتياجاتهم على احتياجاتهن الشخصية. فقد تعتاد المرأة تلبية توقعات المحيطين بها إلى درجة تجعلها عاجزة عن تحديد رغباتها الخاصة أو التعبير عنها بوضوح.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في الإيمان بأن ما نريده يستحق أن نسعى إليه. وترى جيلبرت أن هذه المسألة تزداد تعقيدًا لدى النساء اللاتي اعتدن التقليل من شأن أنفسهن، حتى أصبحن يتعاملن مع التشكيك في قدراتهن وكأنه أمر طبيعي.
وتأتي الخطوة الثالثة، والأصعب في نظرها، وهي مواجهة احتمال الرفض. فالنساء لا يحببن أن يُرفض طلبهن، لا سيما أنهن قد يتعرضن للرفض بما يكفي في علاقاتهن الشخصية. ولذلك، كثيرًا ما يطرحن، على غرار محامي المرافعات، الأسئلة التي يعرفن إجاباتها مسبقًا، ويتجنبن طلب ما قد يقابله بالرفض.
لكن هذه الاستراتيجية، وفقًا لجيلبرت، تعني تجنب المخاطرة، وهو ما يعني بدوره تفويت المكافأة المحتملة. فمن لا يخاطر بطلب فرصة جديدة قد لا يواجه الرفض، لكنه قد يحرم نفسه أيضًا من فرصة كان من الممكن أن تغيّر مسار حياته.
الرفض ليس نهاية الطريق.. بل قد يكون بداية لفرصة جديدة
ترى جيلبرت أن المفارقة تكمن في أن الرفض ليس بالسوء الذي نتخيله دائمًا. وتعتقد أن الرجال فهموا هذه الحقيقة منذ زمن؛ إذ قد يكون الفشل الكبير، أحيانًا، أكثر قدرة على منح الحياة معنى من الفوز الحذر الذي يتحقق من دون مخاطرة.
وتشير إلى أن الرجال يطلبون باستمرار أشياء قد لا يستحقونها، أو يخوضون تجارب لا يمتلكون المؤهلات الكاملة للتعامل معها. ولا تقصد الكاتبة بذلك الإساءة إلى الرجال، بل تتمنى أن تتحلى النساء بالجرأة نفسها في طلب الفرص التي يطمحن إليها، حتى إن لم يكنّ متأكدات من قدرتهن على النجاح.
ففي بعض الأحيان، يأتي الرد بالموافقة، حتى عندما لا نكون مستعدين له. وعندها نضطر إلى الارتقاء إلى مستوى الفرصة، فنكتشف أننا قادرون على التعامل معها. قد لا نكون مستعدين في البداية، لكننا نصبح كذلك عندما نواجه التحدي. وتصف جيلبرت هذه التجربة بأنها غير منطقية، لكنها تحمل شيئًا من السحر.
ولا تدّعي الكاتبة امتلاك وصفة محددة تشرح كيفية طلب كل شيء؛ فالأمر ليس مجال تخصصها، كما أن الظروف تختلف من موقف إلى آخر. ففي بعض الأحيان، يتطلب الطلب اللباقة والجاذبية، بينما يحتاج في مواقف أخرى إلى الصراحة والجرأة المباشرة.
لكنها ترى أن القاعدة العامة أبسط بكثير مما نتصور: اطلب ما تريده، ببساطة ومن دون تردد. فالحقيقة الأساسية، بحسب جيلبرت، أن الطلب هو أفضل وسيلة للوصول إلى ما نريده، بل ربما يكون الوسيلة الوحيدة لذلك.
وتخلص جيلبرت إلى أن السعي نحو حياة أكثر سعادة وثراءً وجمالًا لا يبدأ بالضرورة بخطة محكمة أو استعداد كامل، بل قد يبدأ بخطوة صغيرة تتطلب شجاعة كبيرة: أن نعبّر عن رغباتنا، ونطلب الفرصة التي نريدها، ونقبل احتمال الرفض بدلًا من السماح للخوف بمنعنا من المحاولة.
https://www.oprah.com/omagazine/elizabeth-gilbert-how-to-be-happier

