تواجه مصر معضلة استراتيجية مع تصاعد القتال في اليمن بالقرب من مضيق باب المندب، إذ تسعى القاهرة إلى حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، من دون الانخراط مباشرة في مواجهة عسكرية مع جماعة أنصار الله، المعروفة باسم الحوثيين، بما قد يهدد مصالحها الإقليمية.
ويشرح الصحفي المصري محمد مجدي أن سيطرة الجماعة، المتحالفة مع إيران، على مناطق ساحلية محيطة بالمضيق الشهر الماضي دفعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى زيارة القاهرة، حيث بحث مع رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي تداعيات التطورات الأمنية بعد تقدم الحوثيين على حساب القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية.
وفي تقرير نشرته منصة أمواج ميديا، تناول الكاتب حسابات القاهرة في ظل مخاوفها من اضطراب الملاحة البحرية وانعكاساته الاقتصادية، إلى جانب الضغوط السعودية الرامية إلى تعزيز التنسيق الأمني في البحر الأحمر. وأكد البلدان، وهما حليفان رئيسيان للولايات المتحدة، التزامهما المشترك بضمان حرية الملاحة البحرية وأمنها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وفق بيان صدر عقب لقاء السيسي ومحمد بن سلمان في 15 سبتمبر.
معضلة مصرية بين دعم السعودية وتجنب الحرب
يشكل تعطل حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب مصدر قلق كبيرًا لمصر والسعودية على حد سواء، لكن تداعياته على القاهرة تتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى التأثير المباشر في إيرادات قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري المتعثر.
وقالت رحبة علام، المحللة السياسية المصرية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لمنصة «أمواج ميديا»، إن مصر تواجه معضلة حقيقية؛ فهي تريد دعم السعودية، لكنها لا ترغب في الانخراط المباشر في صراع قد يهدد مصالحها الإقليمية في نهاية المطاف.
وأضافت علام أن سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب تلحق ضررًا بالغًا بالمصالح الاستراتيجية المصرية، مشيرة إلى أن إيرادات قناة السويس تراجعت بالفعل عندما عطلت الجماعة حركة الملاحة في البحر الأحمر خلال حرب غزة في عامي 2024 و2025.
ووفقًا للأرقام التي أعلنتها هيئة قناة السويس، انخفضت الإيرادات من مستوى قياسي بلغ 9.4 مليارات دولار خلال السنة المالية 2022-2023 إلى نحو 4 مليارات دولار في السنة المالية 2024-2025، قبل أن تتعافى بصورة محدودة إلى قرابة 4.6 مليارات دولار في السنة المالية 2025-2026.
وجاءت زيارة محمد بن سلمان إلى مصر بعد أيام من سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، إلى جانب مناطق أخرى على امتداد الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، شملت جزرًا عززت موقع الجماعة وقدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب.
ووصف رضا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، زيارة ولي العهد السعودي بأنها «ليست زيارة بروتوكولية، بل زيارة عمل لمناقشة قضايا محددة، يأتي ملف اليمن في مقدمتها».
وأوضح حسن أن السعودية تخشى أن يؤدي استمرار التصعيد إلى أضرار جسيمة، خصوصًا أن الحوثيين، على حد تعبيره، «ليس لديهم ما يخسرونه». وأشار الدبلوماسي السابق إلى أن الجماعة تتمركز في مناطق جغرافية وعرة يصعب السيطرة عليها أو الوصول إليها، بينما تستطيع إلحاق الأضرار باستخدام صاروخ أو طائرة مسيّرة.
وتكشف هذه التطورات عن صعوبة الموازنة التي تحاول القاهرة تحقيقها؛ إذ إن ترك التهديدات البحرية تتفاقم قد يضر بإيرادات قناة السويس وأمن البحر الأحمر، بينما قد يؤدي التدخل العسكري المباشر إلى توسيع نطاق الصراع وجر مصر إلى مواجهة طويلة الأمد.
ماذا تريد الرياض من القاهرة؟
أشارت تقارير إلى أن محمد بن سلمان طلب مساعدة مصر لاحتواء تداعيات تقدم الحوثيين، بعدما أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تتدخل لوقف الهجوم. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين إقليميين لم تكشف هويتهما أن الرياض أرادت من القاهرة المشاركة في العمليات الأمنية بالبحر الأحمر، مستحضرة دور مصر في عام 2015، حين ساعدت قواتها البحرية والجوية في تأمين مضيق باب المندب.
كما أفادت تقارير أخرى بأن السعودية طلبت من بريطانيا وفرنسا ومصر وباكستان نشر قدرات للدفاع الجوي في المنطقة، للمساعدة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية. وحتى الآن، استجابت تركيا وباكستان وفرنسا لهذه الدعوات، وفقًا للتقارير الواردة.
ودعا الكاتب السعودي مشاري الذايدي إلى تبني «موقف سعودي مصري مشترك» لحماية أمن الملاحة البحرية، معتبرًا أن البلدين بحاجة إلى تطوير نهج موحد لتأمين البحر الأحمر. من جانبه، رجح أحمد ناجي، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، أن تكون الرياض قد سعت إلى تعزيز التنسيق مع القاهرة بشأن أمن البحر الأحمر، نظرًا إلى تأثر البلدين بالتقدم الحوثي.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة «الأهرام» المصرية الحكومية أن القاهرة تستعد لجولة جديدة من المحادثات المكثفة بهدف احتواء التصعيد في اليمن. ونقلت الصحيفة عن مصادر مصرية ويمنية لم تسمها أن جهود التهدئة ستشمل مشاورات إقليمية موسعة مع الأطراف المعنية كافة، مؤكدة أن القاهرة لا تؤيد الحل العسكري «على الإطلاق، حتى في مواجهة» التصعيد الأخير.
وفي المقابل، سعى الحوثيون، عقب تقدمهم السريع، إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب لن تتأثر. كما أفادت تقارير بأن الجماعة تواصلت مع الحكومة المصرية في محاولة للحصول على اعتراف القاهرة بسلطتها، وطرحت تنسيقًا مع هيئة قناة السويس بشأن حركة السفن في البحر الأحمر، لكن الحكومة المصرية رفضت المقترح، وفقًا لما أوردته التقارير.
وتعكس هذه التحركات مساعي الحوثيين إلى تثبيت مكاسبهم الميدانية وتعزيز موقعهم السياسي، في وقت تحاول فيه القاهرة منع الأزمة من التحول إلى تهديد دائم للممرات البحرية. ومع ذلك، لا يعني التنسيق الأمني بالضرورة موافقة مصر على الانخراط في عمليات قتالية ضد الجماعة، إذ تظل أولوياتها مرتبطة بحماية الملاحة وتجنب اتساع رقعة الحرب.
القاهرة تفضل التسوية السياسية وتحذر من تكرار تجربة الستينيات
تحافظ مصر على علاقات جيدة مع أطراف يمنية متعددة، من بينها الحوثيون، لكن طبيعة علاقتها الرسمية بالجماعة تختلف بصورة كبيرة عن علاقاتها بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وفقًا لما أوضحه أحمد ناجي لمنصة «أمواج ميديا».
وأشار ناجي إلى أن التواصل بين القاهرة والحوثيين يبدو محدودًا للغاية، لأن مصر تفضل عمومًا التعامل مع الدول والمؤسسات الرسمية بدلًا من الجهات من غير الدول. وفي مارس 2025، أفادت تقارير بأن وفدًا حوثيًا التقى مسؤولين في جهاز الاستخبارات المصري بالقاهرة لمناقشة التهدئة الإقليمية، كما قيل إن مسؤولين مصريين نقلوا رسالة أمريكية تتعلق بالهجمات على الملاحة الدولية.
وساهمت مصر أيضًا في تيسير محادثات بين إيران والولايات المتحدة ضمن جهود إقليمية للتوصل إلى تسوية للصراع بين طهران وواشنطن، الذي هز استقرار المنطقة وأثار اضطرابات في الاقتصاد العالمي. كذلك دعمت القاهرة حلفاءها العرب في الخليج، ومن بينهم السعودية والإمارات، عبر نشر قوات وأصول عسكرية للمساعدة في التصدي للهجمات الإيرانية.
وترجح رحبة علام أن تتعاون مصر مع حلفائها في البحث عن حلول غير عسكرية للصراع اليمني، من خلال إعادة الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات. وقالت بوضوح إن «الحل العسكري القاسي ليس مطروحًا على الطاولة بالنسبة إلى مصر».
وتستند حذَرات القاهرة إلى تجربة تاريخية مكلفة. ففي عام 1962، تدخلت مصر عسكريًا في اليمن خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، الذي امتدت رئاسته من عام 1956 إلى عام 1970، دعمًا للثورة التي أطاحت بالإمامة الزيدية وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية.
وأرسلت مصر عشرات الآلاف من الجنود إلى اليمن، بينما دعمت السعودية القوات الملكية اليمنية. وأدى التدخل المصري المطول إلى استنزاف قدرات الجيش وإضعاف استعداده العسكري قبل حرب يونيو 1967 العربية الإسرائيلية، وهي تجربة لا تزال حاضرة في الحسابات المصرية عند تقييم مخاطر الانخراط البري في اليمن.
وتختلف هذه التجربة عن نهج القاهرة في عام 2015، عندما أيدت سياسيًا التدخل العسكري الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، وأسهمت بقوات جوية وبحرية لدعم أمن الملاحة في البحر الأحمر، من دون تكرار الانتشار البري واسع النطاق الذي شهدته ستينيات القرن الماضي.
ويرى رضا أحمد حسن أن مصر تمتلك أوراقًا مهمة في الملف اليمني، مشيرًا إلى أن شخصيات يمنية عديدة من شمال البلاد تحتفظ بعلاقات مع القاهرة. لكنه شدد على أن القرار الأساسي يظل في يد السعودية، قائلًا إن المملكة تؤدي دورًا محوريًا ويمكنها وقف التصعيد والتحرك نحو حل سياسي، بالتوازي مع تفعيل دور المبعوث الأممي والمبادرة الخليجية.
وإذا قررت الرياض العودة إلى المسار السياسي رغم اتساع المواجهة الراهنة، فقد يكون أحد الخيارات إحياء التفاهمات التي سبقت 7 أكتوبر 2023، والتي استندت إلى خريطة طريق أممية من ثلاث مراحل تشمل الملفات الإنسانية والاقتصادية والسياسية.
لكن أحمد ناجي حذر من أن العودة إلى المفاوضات لن تكون سهلة، لأن الحوثيين رفعوا سقف مطالبهم بعد المكاسب التي حققوها ميدانيًا. وقال إن أي جولة جديدة من المحادثات ستواجه صعوبات، إذ ستسعى الجماعة إلى تحويل مكاسبها العسكرية إلى تنازلات سياسية واقتصادية على طاولة التفاوض.
وفي المحصلة، تحاول مصر حماية قناة السويس وأمن البحر الأحمر من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين. وتبدو القاهرة أكثر ميلًا إلى التنسيق الدفاعي والتحركات الدبلوماسية والوساطة الإقليمية، بدلًا من التدخل العسكري المباشر. غير أن نجاح هذا النهج سيعتمد بدرجة كبيرة على تطورات الصراع في اليمن، واستعداد السعودية للعودة إلى التسوية السياسية، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء التصعيد قبل أن تتحول السيطرة الحوثية على مناطق قريبة من باب المندب إلى تهديد طويل الأمد للملاحة العالمية والاقتصاد المصري.
https://amwaj.media/en/article/egypts-yemen-dilemma-can-suez-be-protected-without-fighting-the-houthis

