تستعد مصر لنشر قوات عسكرية في الصومال، في خطوة تعكس مساعي القاهرة إلى تعزيز حضورها العسكري والاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بإثيوبيا والبحر الأحمر. وذكر صالح سالم، في تقريره من القاهرة، أن فرقًا عسكرية مصرية تضم مستشارين ومدربين وضباطًا تعمل على الاستعداد لنشر القوات، في أول تحرك من نوعه منذ توقيع اتفاق للتعاون العسكري المشترك بين القاهرة ومقديشو عام 2024.
وفي تقرير نشرته صحيفة «العربي الجديد» أشار الكاتب إلى أن نشر القوات المصرية يأتي في إطار التعاون الأمني والعسكري الثنائي بين البلدين، وكذلك ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، المعروفة اختصارًا باسم «أوصوم» (AUSSOM). ولم تكشف القاهرة حتى الآن عن حجم القوة التي تعتزم نشرها، سواء ضمن البعثة الأفريقية أو في إطار التعاون العسكري والأمني المباشر مع مقديشو.
مصر تعزز حضورها العسكري في الصومال وسط تحديات أمنية
أفادت تقارير بأن القوات المصرية ستتمركز في منطقة عيلكادي، التي كانت تضم مهبط طائرات سيسلي، شمالي العاصمة مقديشو مباشرة، ضمن إقليم شبيلي الوسطى. وتقع المنطقة في نطاق ساحلي شبه جاف ومنخفض الارتفاع، شمال الحدود الإدارية لإقليم بنادر، وعلى مسافة تقارب 400 كيلومتر من أقرب نقطة إلى الحدود المشتركة بين إثيوبيا والصومال.
ويرى محللون سياسيون صوماليون أن نشر القوات المصرية من شأنه تعزيز التعاون العسكري والأمني مع مقديشو في مرحلة بالغة الأهمية. وقال المحلل السياسي الصومالي والمتخصص في الشؤون الأفريقية، حسن محمد، إن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تواجه الصومال والاضطرابات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
وأعرب محمد، في حديثه إلى «العربي الجديد»، عن أمله في أن يسهم نشر القوات المصرية في تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية الصومالية ودعم الاستقرار في البلاد. لكنه شدد على أن نجاح التعاون سيعتمد على وضوح الأهداف، والتنسيق الكامل مع المؤسسات الصومالية، واحترام سيادة الصومال ومصالحه الوطنية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تقارب متزايد بين القاهرة ومقديشو، بعدما ارتقى البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2025. وأكدت مصر مرارًا دعمها للصومال، وشددت على ضرورة الحفاظ على وحدة أراضيه ومنع التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية.
وفي 20 سبتمبر، زار وفد عسكري مصري العاصمة الصومالية والتقى وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي، بعد خمسة أيام من اجتماع ضباط مصريين مع كبار القادة العسكريين الصوماليين في مقديشو لمناقشة التعاون الدفاعي والتدريب العسكري وبناء قدرات الجيش الوطني الصومالي.
وتزامنت هذه التحركات مع مباحثات أجراها رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، الذي زار القاهرة أواخر سبتمبر، وتصدرت خلالها الأوضاع في الصومال أجندة النقاش.
واستقبل السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خمس مرات في مصر خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 إلى أكتوبر 2026، وكانت آخر زيارة في 3 أكتوبر بمدينة العلمين، شمالي البلاد. وفي اليوم التالي، استضافت القاهرة قمة رباعية مصرية صومالية إريترية سودانية، دعا خلالها قادة الدول الأربع إلى احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وأعربوا عن رفضهم التدخل الخارجي في شؤون بلدانهم الداخلية.
ويرى محللون مصريون أن هذه اللقاءات والرسائل تعكس إصرار القاهرة على مواصلة دعم الصومال في ظل الظروف الإقليمية المعقدة. وقال الخبير الأمني المصري اللواء خالد عكاشة إن مصر تريد مساعدة الصومال على حماية مياهه الإقليمية، والتصدي للتهديدات الداخلية والخارجية، ومنها الإرهاب والقرصنة، ومنع التدخلات الأجنبية في شؤونه.
ووصف عكاشة الصومال بأنه يمثل «عمقًا استراتيجيًا» لمصر، بالنظر إلى الترابط بين استقرار هذا البلد الواقع في القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب والمدخل الجنوبي لقناة السويس. وحذر من أن تفكك الصومال سيهدد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، بما يلحق أضرارًا بالدول الإقليمية والاقتصاد العالمي.
تصاعد التوتر مع إثيوبيا ومخاوف من التوسع الإسرائيلي
من المتوقع أن تعمل القوات المصرية في بيئة أمنية شديدة الخطورة، في ظل تنامي التهديد الإرهابي في الصومال، حيث تخوض حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة صراعًا مع الحكومة الفيدرالية للسيطرة على مناطق من البلاد.
وأشار المحلل الصومالي حسن محمد إلى وجود تأييد شعبي للحضور العسكري المصري، لكنه حذر من أن حركة الشباب لا تزال قادرة على شن هجمات مؤلمة تستهدف القوات الحكومية والمدنيين، رغم التدابير الأمنية والعسكرية التي اتخذتها السلطات.
وقال محمد إن الحركة تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة الصومالية حاليًا، مشيرًا إلى أن مواجهتها تتطلب جهودًا عسكرية مشتركة تسير بالتوازي مع معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر سلبًا في استقرار البلاد.
ويأتي الانتشار المصري المرتقب بالتزامن مع تصاعد الحضور العسكري الإقليمي على الساحل الصومالي، ولا سيما الحضور الإسرائيلي، بعدما حصلت إسرائيل على موطئ قدم عسكري في منطقة أرض الصومال الانفصالية، عقب اعترافها بها أواخر العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد حدة التوتر بين مصر وإثيوبيا، بينما تتسع رقعة الحرب الأهلية الإثيوبية، التي تواجه فيها الحكومة الفيدرالية سبع جماعات متمردة في شمال البلاد.
وتخوض القاهرة وأديس أبابا نزاعًا حادًا بشأن تشغيل إثيوبيا سد النهضة الإثيوبي الكبير، وهو مشروع ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق، الرافد الرئيسي لنهر النيل الذي يمثل المصدر الأساسي للمياه العذبة في مصر. كما يتصاعد الخلاف بشأن خطط إثيوبيا لبناء سدود إضافية على النيل.
وفي 5 أكتوبر، أكد السيسي أن مصر لن تتنازل عن قطرة واحدة من حصتها السنوية في مياه النيل. وقال، في خطاب متلفز بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصار مصر في حرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، إن هذه الحصة تمثل «حقًا تاريخيًا وقانونيًا راسخًا لا يمكن الانتقاص منه أو المساس به»، واصفًا إياها بأنها «خط أحمر» لا يجوز تجاوزه.
ولا يقتصر الخلاف المصري الإثيوبي على مياه النيل، بل يمتد إلى مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وهي خطوة تعارضها القاهرة بشدة بسبب مخاوفها من وجود عسكري إثيوبي قرب ممر بحري بالغ الأهمية يصل إلى قناة السويس شمالًا.
ويرى محللون مصريون أن نشر القوات في الصومال يشكل جزءًا من تحركات أوسع تهدف إلى إعادة تموضع مصر عسكريًا واستراتيجيًا في القرن الأفريقي، بما يحمي مصالحها الحيوية وأمنها القومي. كما يأتي هذا التحرك ضمن نشاط مصري إقليمي يشمل، إلى جانب التعاون العسكري، تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة، ولا سيما إريتريا وأوغندا وكينيا.
وقال أستاذ العلوم السياسية المصري أيمن شبانة إن مصر تحتاج إلى وجود عسكري في القرن الأفريقي لحماية مصالحها الأمنية والتصدي للتهديدات التي قد تطالها. وأضاف أن نشر القوات في المنطقة يتيح للقاهرة أيضًا تقديم الدعم للدول الحليفة، مثل الصومال وإريتريا، اللتين تواجهان تهديدات متزايدة، ومن المتوقع أن تكونا في مقدمة الدول المتأثرة بتداعيات الحرب الأهلية الإثيوبية الراهنة.
واعتبر شبانة أن الوجود العسكري المصري يبعث برسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية مفادها ضرورة التفكير مليًا قبل الإقدام على خطوات من شأنها الإضرار بالمصالح المصرية.
إعادة تموضع استراتيجي لحماية الأمن القومي المصري
يعكس التحرك المصري في الصومال اتساع نطاق التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تتداخل المخاوف الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب وقناة السويس. فبالنسبة إلى القاهرة، لا يمثل استقرار الصومال مسألة ثنائية تقتصر على العلاقات مع مقديشو، بل يرتبط بأمن الممرات البحرية الحيوية ومصالح مصر المائية والاستراتيجية في مواجهة التحركات الإثيوبية.
ويتيح التعاون العسكري مع الصومال للقاهرة تعزيز علاقاتها الأمنية مع دولة تقع في موقع استراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من التنافس العسكري الأجنبي على السواحل المطلة على هذا الممر. كما يمنح مصر فرصة لدعم المؤسسات الأمنية الصومالية في مواجهة حركة الشباب والقرصنة، وهما تهديدان قد تتجاوز تداعياتهما الحدود الصومالية.
لكن نجاح هذا التحرك سيظل مرتبطًا بقدرة القاهرة ومقديشو على تحديد طبيعة المهمة العسكرية وأهدافها، وضمان التنسيق مع المؤسسات الصومالية، إلى جانب مراعاة التوازنات الإقليمية المعقدة. كما ستواجه القوات المصرية تحديات ميدانية في بلد لا تزال فيه الجماعات المسلحة قادرة على شن هجمات، بينما تتداخل الأزمات الداخلية مع التنافس الخارجي على النفوذ.
وفي ظل استمرار الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة والمياه والنفوذ في البحر الأحمر، تبدو القاهرة عازمة على توسيع أدواتها لحماية مصالحها، عبر الجمع بين التحركات العسكرية وتعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة. ويشير الانتشار المرتقب في الصومال إلى أن مصر تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره ساحة أساسية للدفاع عن أمنها القومي، في مرحلة تتزايد فيها التحديات التي تواجه توازنات المنطقة وممراتها البحرية.
https://www.newarab.com/news/egypt-prepares-deploy-troops-somalia

