كشفت حوادث وفاة أطفال داخل مستشفيات مصرية عن أزمة خطيرة تضرب منظومة الرعاية الصحية، وتثير تساؤلات بشأن الرقابة الحكومية وسلامة الإجراءات الطبية، وسط اتهامات متصاعدة بالإهمال وغياب المحاسبة الفعالة.
وأعادت وفاة أطفال خلال إجراءات جراحية وعلاجية فتح ملف المسؤولية عن سلامة المرضى في عهد السيسي، بعدما تحولت وقائع كان يفترض التحقيق فيها بشفافية إلى مصدر خوف وغضب بين الأسر المصرية.
وتضع هذه الحوادث حكومة السيسي أمام أسئلة لا تكفي للإجابة عنها قرارات إغلاق المنشآت، بشأن فعالية التفتيش المسبق، ومدى الالتزام بمعايير السلامة، ومسؤولية الجهات الرقابية عن اكتشاف المخالفات قبل وقوع الكوارث.
وفي بلد يواجه فيه المواطن أعباء معيشية متصاعدة، تصبح المخاطر المرتبطة بالحصول على العلاج أزمة إضافية، خصوصًا عندما يعجز المريض عن معرفة مستوى الأمان داخل المستشفى الذي يلجأ إليه.
وفيات الأطفال تكشف ثغرات الرقابة الصحية
أعادت واقعة وفاة طفل عقب جراحة لاستئصال اللوزتين داخل مستشفى خاص بمدينة نصر تسليط الضوء على سلامة الخدمات الطبية، بعدما أعلنت وزارة الصحة إغلاق المستشفى نتيجة رصد مخالفات متعددة.
وبحسب إدارة العلاج الحر، شملت المخالفات عدم الالتزام بسياسات مكافحة العدوى، وعدم استيفاء الملف الطبي، وعدم اتباع الإجراءات الطبية المتعارف عليها، وهي مخالفات تستدعي تحقيقًا في أسباب استمرار تقديم الخدمة.
وتثير الواقعة تساؤلًا جوهريًا حول دور أجهزة التفتيش والرقابة، ولماذا لم تُكتشف هذه المخالفات ويُتعامل معها قبل وقوع الوفاة، بدلًا من انتظار مأساة جديدة لاتخاذ إجراءات إدارية.
وفي واقعة أخرى، توفيت الطفلة علية غنيم بعد دخولها المستشفى لإجراء جراحة لاستئصال الزائدة الدودية، لتضاف قصتها إلى حوادث أثارت مخاوف الأسر بشأن ضمانات سلامة الأطفال داخل غرف العمليات.
كما شهد مستشفى جامعة أسيوط وفاة طفل إثر نقل دم من فصيلة غير متوافقة معه، وهي واقعة تطرح أسئلة بالغة الخطورة بشأن إجراءات التحقق من فصائل الدم قبل نقله للمرضى.
ولا يعني وقوع هذه الوفيات ثبوت الإهمال المهني في جميع الحالات، لكنه يفرض تحقيقات مستقلة تكشف الملابسات وتحدد المسؤوليات، بدلًا من ترك الأسر بين الحزن والشك وانتظار إجابات قد تتأخر.
وبينما تعلن الحكومة قرارات إغلاق أو إجراءات رقابية عقب بعض الوقائع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا متعلقًا بقدرتها على منع تكرارها، وتطبيق معايير موحدة للسلامة داخل المستشفيات العامة والخاصة.
وتكشف طبيعة المخالفات المعلنة أن الأزمة لا تتعلق فقط بمهارة الطبيب، وإنما تمتد إلى نظم مكافحة العدوى والتوثيق الطبي وإجراءات التحقق والمراجعة، وهي مسؤوليات مؤسسية لا يمكن تجاهلها.
الأطباء يدفعون ثمن أزمة المنظومة
أكد الدكتور أحمد عمر بحلس، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، أن الهدف الأساسي للطبيب هو الحفاظ على سلامة المريض، محذرًا من الخلط بين المضاعفات الطبية الطبيعية والأخطاء المهنية والإهمال.
وأوضح بحلس أن بعض المضاعفات قد تحدث رغم الالتزام الكامل بالأصول الطبية، مشيرًا إلى أن عمليات شفط الدهون قد ينتج عنها تجمع السوائل، دون أن يعني ذلك تلقائيًا وجود تقصير.
لكن هذا التمييز العلمي لا يعفي إدارات المستشفيات والجهات الرقابية من مسؤولياتها، ولا يجوز تحويل احتمالات المضاعفات الطبيعية إلى مبرر لتجاهل المخالفات المهنية التي تثبتها التحقيقات.
وفي المقابل، حذر بحلس من أن التوسع في اتهام الأطباء دون تحقيق متخصص قد يدفعهم إلى تجنب الجراحات الدقيقة، واللجوء إلى إجراءات وفحوصات إضافية لحماية أنفسهم قانونيًا.
وتكشف تحذيراته جانبًا آخر من الأزمة، يتمثل في افتقار العلاقة بين الطبيب والمريض إلى منظومة متكاملة تحمي الطرفين، وتضمن تعويض المتضررين ومحاسبة المسؤولين دون تجريم المضاعفات الطبيعية.
وأشار إلى أن متوسط أجور الأطباء يتراوح بين سبعة آلاف وسبعة آلاف وخمسمائة جنيه، رغم ساعات عمل قد تتجاوز اثنتين وسبعين ساعة أسبوعيًا، ونوبتجيات تمتد لأربع وعشرين ساعة.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن ظروف العمل التي تسمح باستمرار إرهاق الأطقم الطبية، وتأثيرها المحتمل على التركيز وجودة الخدمة، خصوصًا داخل الأقسام التي تتطلب قرارات سريعة ودقيقة.
وفي ظل استمرار تدني الأجور وطول ساعات العمل، تصبح المطالبة بتحسين سلامة المرضى مرتبطة بضرورة تحسين ظروف الأطباء، وتوفير التدريب والتجهيزات والكوادر الكافية داخل المنشآت الصحية.
كما انتقد بحلس التناول الإعلامي لبعض الوقائع، معتبرًا أن الإثارة والاتهامات السابقة للتحقيق تضر بالعلاقة بين الطبيب والمريض، وتحجب أحيانًا المشكلات الحقيقية المتعلقة بالتمويل ونقص الإمكانات.
غير أن خطورة الاتهامات المتسرعة لا تقلل من حق الأسر في معرفة الحقيقة، أو مطالبتها بإجراءات شفافة تكشف المسؤوليات المؤسسية والفردية، وتمنع ضياع حقوق الضحايا بين الجهات المختلفة.
وشدد بحلس على ضرورة تطوير قانون المسؤولية الطبية، موضحًا أن بعض مواده لا تزال تحتاج إلى مراجعة لتحقيق التوازن بين حماية المرضى وضمان ممارسة الأطباء لمهنتهم دون خوف غير مبرر.
المساءلة الغائبة وأسئلة الحكومة الصعبة
أكدت الدكتورة إيرين سعيد ضرورة الفصل بين المضاعفات الطبية المعروفة والأخطاء غير المتعمدة والإهمال الناتج عن نقص الخبرة أو مخالفة المعايير المهنية، محذرة من إصدار أحكام دون فحص متخصص.
وأوضحت أن بعض المضاعفات ترتبط بطبيعة جسم المريض أو استجابته للعلاج، وقد تحدث رغم الالتزام بالبروتوكولات، بينما تستدعي الأخطاء الناجمة عن الإهمال تحقيقًا ومساءلة وفقًا للقانون.
كما حذرت من مخاطر عدم الالتزام بمكافحة العدوى أو نقص تدريب العاملين، مؤكدة أن تقييم المسؤولية يتطلب دراسة الملفات الطبية والإجراءات المتخذة والظروف المحيطة بكل واقعة.
وتفتح تصريحاتها الباب أمام مساءلة أوسع بشأن كيفية حصول المنشآت الطبية على تراخيص التشغيل وتجديدها، ومدى انتظام التفتيش على غرف العمليات وبنوك الدم والتعقيم والتجهيزات الأساسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن الاكتفاء بمعاقبة طبيب إذا أثبت التحقيق مسؤوليته، مع تجاهل احتمالات القصور الإداري أو نقص الكوادر أو ضعف إجراءات المراجعة داخل المؤسسة الطبية نفسها.
وتشمل العقوبات التأديبية للأطباء، وفق ما أوضحه بحلس، الإنذار والإيقاف المؤقت وصولًا إلى الشطب من سجلات النقابة، بحسب جسامة المخالفة، لكن فاعليتها ترتبط بتحقيقات دقيقة وإجراءات عادلة.
ومع ذلك، فإن المساءلة الفردية لا تعالج وحدها المشكلات الهيكلية التي أشار إليها الأطباء، سواء تعلق الأمر بنقص التمويل أو ضعف التجهيزات أو ساعات العمل الطويلة والضغوط المهنية.
وتتحمل وزارة الصحة مسؤولية توضيح نتائج التفتيش والإجراءات التصحيحية المتخذة، وتوفير معلومات كافية للأسر بشأن معايير السلامة، حتى لا يصبح اكتشاف المخالفات مرهونًا بوقوع حوادث مؤلمة.
كما تبرز الحاجة إلى نشر نتائج التحقيقات بعد اكتمالها، مع حماية خصوصية المرضى، وإعلان الإجراءات التي تمنع تكرار المخالفات، بدلًا من اقتصار المشهد على قرارات إغلاق لا توضح جذور المشكلة.
ويحتاج المرضى إلى آلية مستقلة وسريعة لتلقي الشكاوى، وفحصها بواسطة متخصصين، وضمان الحصول على التعويض عند ثبوت المسؤولية، دون إجبار الأسر على خوض سنوات من النزاعات والإجراءات المعقدة.
وفي المقابل، يحتاج الأطباء إلى بيئة عمل آمنة وتدريب مستمر وتأمين مهني ونظام قانوني عادل، حتى لا تتحول أخطاء الإدارة ونقص الإمكانات إلى مسؤوليات يتحملها العاملون وحدهم.
وتبقى المسؤولية السياسية عن مستوى الرعاية الصحية مرتبطة بقرارات التمويل والإدارة والرقابة، وهي ملفات تستوجب مساءلة حكومة السيسي عن الإجراءات المتخذة لضمان سلامة المرضى وحماية حقوقهم.
وأمام وفيات الأطفال والحوادث التي أثارت الرأي العام، يصبح المطلب الأساسي كشف الحقيقة في كل واقعة، وتحديد المسؤوليات بالأدلة، وضمان ألا تكون حياة المريض اختبارًا جديدًا لكفاءة الرقابة الحكومية.
وفي النهاية، لا تقاس كفاءة المنظومة الصحية بعدد المستشفيات التي تُغلق عقب وقوع الكوارث، وإنما بقدرتها على اكتشاف المخاطر قبل أن تتحول إلى وفيات، وحماية المريض من الإهمال المثبت.
أما استمرار ظهور مخالفات جسيمة بعد حوادث مأساوية، فيفرض على حكومة السيسي تقديم إجابات واضحة بشأن جدوى أجهزتها الرقابية، والخطوات الفعلية التي تتخذها لحماية أرواح المصريين داخل المستشفيات.

