سعيد عفيفي
أحد مؤسسي تكنوقراط مصر
في تطور يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الأمريكية، قررت وزارة الخارجية الأمريكية إعفاء نحو 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لمصر من الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان، استنادًا إلى ما وصفته واشنطن بالدور المفيد الذي لعبته القاهرة في أعقاب بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.
ويطرح هذا القرار تساؤلات جوهرية تتجاوز قيمته المالية، لتصل إلى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن، وحدود ارتباط المساعدات الأمريكية بالتزامات حقوق الإنسان، ومصير آلاف المعتقلين السياسيين الذين ينتظرون انفراجة في أوضاعهم القانونية والإنسانية.
فهل نحن أمام مكافأة سياسية مباشرة للنظام المصري نظير خدمات قدمها للولايات المتحدة في سياق الحرب على إيران؟ وما طبيعة الدور الذي ربما أدته القاهرة حتى تحظى بهذا الاستثناء؟ وهل يعني القرار أن الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية أصبحت تتقدم بوضوح على ملف الحريات والديمقراطية في السياسة الأمريكية تجاه مصر؟
هذه الأسئلة تستحق قراءة متأنية تميز بين ما أكدته الوثائق، وما يمكن استنتاجه من السياق السياسي، وما لا يزال غير معلن.
أولًا: ماذا قررت واشنطن بالضبط؟
قرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو استخدام صلاحيات الاستثناء من شروط التصديق المتعلقة بحقوق الإنسان، بما يسمح بصرف 320 مليون دولار من التمويل العسكري الأجنبي المخصص لمصر عن السنة المالية الأمريكية 2025.
وجاء القرار في رسالة مؤرخة في 21 سبتمبر 2026 وموجهة إلى لجان في الكونغرس الأمريكي، فيما أشارت مذكرة تبريرية مؤرخة في 4 سبتمبر إلى أن الإعفاء يرتبط باحتياجات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ومنع الانتشار، أو باعتبارات أخرى تدخل ضمن المصالح القومية الأمريكية.
واللافت أن المذكرة ربطت القرار صراحة بما وصفته بالدور المفيد الذي لعبته مصر بعد بدء العملية العسكرية الأمريكية المسماة "Epic Fury"، لكنها لم تقدم تفاصيل محددة عن طبيعة هذا الدور.
وهنا تبرز نقطة أساسية: الإعفاء لا يعني إلغاء جميع شروط حقوق الإنسان المفروضة على المساعدات الأمريكية لمصر، ولا يعني بالضرورة زيادة إجمالي المساعدات السنوية. بل يتعلق باستثناء مالي محدد من شروط قائمة، بما يتيح الإفراج عن الأموال المعنية رغم عدم استيفاء متطلبات التصديق المرتبطة بحقوق الإنسان.
وتحصل مصر، على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأمريكية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في إطار علاقة استراتيجية ارتبطت بصورة وثيقة بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979. وهذه الأموال كما هو معروف لا تذهب للخزينة العامة وبالتالي لا يستفيد منها الشعب شيئًا
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمبلغ منفصل عن سياق طويل من التعاون العسكري والسياسي، وإنما بقرار جديد يؤكد استمرار أهمية مصر في الحسابات الأمنية الأمريكية، حتى في ظل الخلافات المتعلقة بالحريات والحقوق السياسية.
ثانيًا: هل هذه مكافأة من الولايات المتحدة لنظام السيسي؟
من الناحية السياسية، يمكن قراءة القرار باعتباره مكافأة استراتيجية أو مقابلًا سياسيًا غير مباشر للدور الذي ترى الإدارة الأمريكية أن مصر أدته في خدمة مصالحها الإقليمية. لكن من الضروري التمييز بين هذا التفسير وبين وجود اتفاق معلن يثبت أن القاهرة قدمت خدمة محددة مقابل الإفراج عن الأموال. فالوثيقة تربط الإعفاء بالمصالح القومية الأمريكية وبالدور المصري عقب بدء الحرب، لكنها لا تكشف عن اتفاق ثنائي ينص على تقديم مبلغ محدد مقابل عمل بعينه. ولذلك فإن وصف القرار بأنه "مكافأة" يمثل قراءة سياسية تستند إلى توقيت القرار وصياغة مبرراته، وليس حقيقة مستقلة ثبتت جميع تفاصيلها.
ومع ذلك، فإن توقيت القرار يحمل دلالة واضحة: عندما تتعارض شروط حقوق الإنسان مع ما تعتبره الإدارة الأمريكية ضرورة أمنية، فإن واشنطن تملك آلية قانونية تسمح لها بتقديم الأولوية للاعتبارات الاستراتيجية، في ظل الوضع الاقتصادي الخانق الذي يمر به نظام السيسي والذي قد يؤدي إلى انفجار شعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية للأسر المصرية الفقيرة والمتوسطة.
وهذه ليست معادلة جديدة في العلاقات الدولية؛ فكثيرًا ما تتعامل الدول الكبرى مع حقوق الإنسان باعتبارها أحد عناصر سياستها الخارجية، لكنها لا تجعلها بالضرورة العامل الحاسم عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو التحالفات العسكرية أو إدارة النزاعات الإقليمية.
وفي الحالة المصرية، تبدو أهمية القاهرة مرتبطة بعدة اعتبارات متداخلة: موقعها الجغرافي، وعلاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ودورها في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وصلاتها بإسرائيل وقطاع غزة، فضلًا عن قدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية متعارضة.
ومن ثم، فإن القراءة الأقرب إلى مضمون القرار هي أن الإدارة الأمريكية ترى أن استمرار التعاون مع مصر يخدم مصالحها بدرجة تجعلها مستعدة لتجاوز بعض الشروط الحقوقية المفروضة على المساعدات. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا حصلت القاهرة على هذا الاستثناء؟ بل أيضًا: ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى المواطنين المصريين الذين يُفترض أن تكون حماية حقوقهم جزءًا من أهداف السياسة الأمريكية المعلنة؟
ثالثًا: ما الدور الذي ربما لعبته مصر حتى تحصل على هذا الاستثناء؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في القضية، لكنها أيضًا النقطة التي تتطلب أكبر قدر من الحذر؛ لأن المذكرة الأمريكية لم تحدد بالتفصيل الخدمات التي قدمتها القاهرة. ومع ذلك، يمكن تحليل عدد من المجالات التي تتقاطع فيها المصالح المصرية والأمريكية.
1. الموقع الجغرافي وأمن الممرات البحرية
تمثل مصر نقطة استراتيجية تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، كما تقع بالقرب من مسارح عمليات الشرق الأوسط. وفي ظل اتساع تداعيات الحرب على إيران، تكتسب سلامة الملاحة البحرية وأمن الممرات التجارية أهمية إضافية بالنسبة إلى واشنطن. لكن لا يوجد في الإعلان تفاصيل تثبت أن تسهيل مرور سفن أو تقديم دعم عسكري معين كان السبب المباشر وراء الإعفاء.
2. التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب
ذكرت المذكرة الأمريكية صراحة مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ضمن المجالات التي تبرر أهمية التمويل. وهذا يوفر أساسًا موثقًا للقول إن التعاون الأمني يمثل أحد الاعتبارات الرئيسية في القرار، وإن كانت الوثيقة لا تحدد عمليات أو معلومات استخباراتية بعينها قدمتها مصر.
3. الدور المصري في غزة والاتصالات الإقليمية
تمتلك القاهرة قنوات اتصال مع إسرائيل والفلسطينيين وأطراف إقليمية أخرى، ولعبت دورًا في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة. ويذكر تقرير رويترز أن مصر أدت دورًا محوريًا في مفاوضات هدنة غزة التي تم التوصل إليها في أكتوبر 2025. وقد تعزز هذه الخبرة قيمة مصر لدى واشنطن بوصفها طرفًا قادرًا على التواصل مع جهات متعددة، لكن لا ينبغي اعتبار دورها في غزة دليلًا قاطعًا على طبيعة دورها في الحرب على إيران.
4. استمرار الشراكة العسكرية والاستراتيجية
تمتد العلاقة العسكرية الأمريكية المصرية لعقود، واستمرار هذه العلاقة يمنح واشنطن شريكًا إقليميًا يمكنها التنسيق معه في ملفات الأمن والاستقرار. ومن منظور الإدارة الأمريكية، قد تكون المحافظة على هذه الشراكة أهم من الاستمرار في حجب جزء من التمويل للضغط على القاهرة في ملف حقوق الإنسان.
المهم هنا أن المجالات الثلاثة الأولى تتضمن اعتبارات استراتيجية محتملة، بينما يؤكد القرار المنشور بصورة مباشرة أهمية مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والمصالح القومية الأمريكية. أما تفاصيل أي مساهمة مصرية خاصة بالحرب على إيران، فلا تزال غير معلنة. وبالتالي، فإن القول إن النظام المصري قدم تسهيلات عسكرية محددة أو شارك مباشرة في عمليات ضد إيران يحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يجوز استخلاصه من مجرد صدور الإعفاء.
رابعًا: المفارقة الأمريكية.. تقارير حقوق الإنسان من جهة، والإعفاء العسكري من جهة أخرى
تزداد حساسية القرار عند مقارنته بما ورد في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية نفسها بشأن حالة حقوق الإنسان في مصر.
ففي تقريرها عن ممارسات حقوق الإنسان في مصر خلال عام 2023، وثقت وزارة الخارجية الأمريكية مخاوف واسعة، شملت تقارير موثوقة عن الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة في الاحتجاز، والقيود المفروضة على حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي، فضلًا عن وجود سجناء ومحتجزين على خلفية سياسية ومشكلات تتعلق باستقلال القضاء. وأشار التقرير كذلك إلى أن التحقيق في ادعاءات الانتهاكات لم يكن شاملًا في كثير من الحالات.
كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2025 استمرار اعتقال منتقدين ومعارضين بصورة تعسفية، وورود ادعاءات عن الاختفاء القسري والتعذيب، إلى جانب القيود المفروضة على النشاط السياسي والإعلامي.
جوهر المفارقة أن التقارير الحقوقية توثق انتهاكات ومخاوف تتعلق بالحريات والاعتقال والتعذيب واستقلال القضاء، بينما يستخدم القرار العسكري استثناءً قانونيًا لتجاوز شروط حقوق الإنسان عن 320 مليون دولار بدعوى حماية المصالح الأمنية والاستراتيجية الأمريكية. هل يعني ذلك أن واشنطن تتراجع عن تقييماتها الحقوقية السابقة؟ ليس بالضرورة، فمن الممكن أن تظل المؤسسات الأمريكية تعتبر بعض الممارسات انتهاكات خطيرة، بينما تتخذ الإدارة التنفيذية قرارًا منفصلًا بصرف المساعدات استنادًا إلى استثناء يسمح به القانون.
لكن النتيجة العملية تظل مهمة: إدانة الانتهاكات في التقارير الرسمية لا تعني تلقائيًا أن الحكومة الأمريكية ستستخدم المساعدات العسكرية للضغط من أجل وقفها. وهنا يكمن التناقض السياسي الذي يستحق المساءلة: إذا كانت واشنطن ترى أن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر تستدعي توثيقًا رسميًا متكررًا، فما الشروط التي ينبغي توافرها حتى تتحول هذه التقييمات إلى سياسة عملية تؤثر في سلوك الحكومة المصرية؟
خامسًا: هل يعني القرار أن حقوق الإنسان لم تعد أولوية أمريكية في مصر؟
الإجابة الأدق هي أن القرار يكشف عن تراجع أولوية الشروط الحقوقية في هذه المعاملة المالية المحددة، وليس بالضرورة عن تخلي الولايات المتحدة عن ملف حقوق الإنسان كله. فالإعفاء، وفق التقرير، يتعلق بمبلغ 320 مليون دولار من التمويل العسكري المخصص للسنة المالية 2025، ولا يلغي بالضرورة كل الشروط القانونية أو آليات الرقابة المرتبطة بالمساعدات الأخرى.
ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية المحتملة واضحة: عندما ترى الإدارة الأمريكية أن المصالح الأمنية تقتضي استمرار الدعم، فإنها قد تستخدم الاستثناءات القانونية بدلًا من جعل تحسين سجل حقوق الإنسان شرطًا فعليًا للصرف.
وتوجد هنا ثلاثة أبعاد ينبغي التمييز بينها:
• البعد القانوني: هل يسمح القانون الأمريكي بالإعفاء؟ وفق الوثيقة المنشورة، استند القرار إلى صلاحية استثنائية مرتبطة بالأمن القومي.
• البعد السياسي: ما الذي تكشفه الأولوية التي منحتها الإدارة الأمريكية للتعاون الاستراتيجي؟ تكشف أن الاعتبارات الأمنية كانت حاسمة في هذه الحالة.
• البعد الحقوقي: هل يؤدي الإفراج عن الأموال إلى زيادة الضغط على الحكومة المصرية لتحسين سجلها؟ لا يقدم القرار في حد ذاته دليلًا على وجود ضغط إضافي من هذا النوع.
ولا يعني ذلك أن كل دولار من المساعدات العسكرية يتحول مباشرة إلى أداة لقمع المعارضين؛ فذلك يتوقف على طبيعة التمويل واستخداماته والرقابة المفروضة عليه. لكن الدعم العسكري المستمر قد يمنح الحكومة المصرية هامشًا أوسع في الحفاظ على شراكتها الأمنية مع واشنطن، ويقلل من فاعلية حجب المساعدات بوصفه وسيلة ضغط سياسية.
سادسًا: كيف يمكن أن يؤثر القرار على المعتقلين السياسيين في مصر؟
ربما تكون هذه هي المسألة الأكثر أهمية من الناحية الإنسانية، فوراء الأرقام المتعلقة بالمساعدات العسكرية توجد قضية أوسع: أشخاص محتجزون منذ سنوات، وأسر تنتظر معرفة مصير ذويها، ومحامون ومنظمات حقوقية يطالبون بضمانات المحاكمة العادلة وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول والاعتقال بسبب التعبير السلمي عن الرأي.
ويمكن تحليل الآثار المحتملة في ضوء طبيعة العلاقة بين المساعدات والضغط الدبلوماسي:
1. تراجع إحدى وسائل الضغط المتاحة لواشنطن
عندما تحجب الولايات المتحدة جزءًا من المساعدات بسبب عدم استيفاء شروط حقوق الإنسان، فإنها تضع تكلفة مالية وسياسية على استمرار الخلاف، أما استخدام الاستثناء والإفراج عن الأموال فيقلل من تلك التكلفة في الحالة المعنية. وقد يؤدي تكرار هذا النهج إلى إضعاف مصداقية التهديد بحجب المساعدات مستقبلًا، خصوصًا إذا اعتقدت السلطات المصرية أن الاعتبارات الاستراتيجية ستتقدم في النهاية على المطالب الحقوقية.
2. احتمال تراجع الحافز لإجراء إصلاحات ملموسة
إذا لم تعد شروط المساعدات مرتبطة بصورة فعالة بنتائج قابلة للقياس، فقد تقل الحوافز الخارجية التي تشجع على اتخاذ خطوات في ملفات الاعتقال والمحاكمات والحريات العامة. لكن ذلك لا يعني أن الإصلاحات لن تحدث؛ فالتطورات الداخلية والضغوط المجتمعية والاعتبارات الاقتصادية والدبلوماسية يمكن أن تؤثر أيضًا في قرارات الحكومة المصرية.
3. أثر معنوي على المعتقلين وأسرهم
قد يُنظر إلى القرار باعتباره إشارة إلى أن معاناة المعتقلين لا تحتل المرتبة نفسها التي يحتلها التعاون الأمني في حسابات واشنطن. وهذا استنتاج يتعلق بالرسالة السياسية والإنسانية المحتملة للقرار، وليس دليلًا على أن الإدارة الأمريكية قررت تجاهل كل حالة فردية أو أوقفت اتصالاتها بشأن الإفراج عن سجناء بعينهم.
4. احتمال استمرار الفجوة بين الخطاب والممارسة
حين تصدر تقارير أمريكية رسمية توثق انتهاكات، ثم تستمر المساعدات رغم تلك المخاوف، تتسع الفجوة بين الخطاب الحقوقي والسياسة الفعلية. وقد يضعف ذلك ثقة المدافعين عن حقوق الإنسان في قدرة الحكومات الغربية على ترجمة مبادئها المعلنة إلى ضغوط ملموسة على حلفائها.
وفي المقابل، يمكن لواشنطن أن تقول إن استمرار المساعدات يحافظ على قنوات التواصل والتعاون التي قد تساعدها على إثارة الملفات الحقوقية. ويبقى السؤال العملي هو: هل يصاحب استمرار الدعم تقدم قابل للتحقق في أوضاع المعتقلين والحريات، أم يظل التعاون الأمني منفصلًا عن أي نتائج حقوقية واضحة؟
سابعًا: هل تستطيع مصر الاستفادة من التناقض بين المصالح الأمريكية وملف الحقوق؟
من الناحية السياسية، يمنح القرار القاهرة مؤشرًا على أن موقعها الاستراتيجي يظل عنصرًا مهمًا في تحديد سياسة واشنطن تجاهها. وإذا تكرر تجاوز الشروط الحقوقية كلما برزت أزمة إقليمية، فقد تستنتج الحكومة المصرية أن حاجات الولايات المتحدة الأمنية تمنحها مساحة واسعة للمناورة في مواجهة الانتقادات المتعلقة بالحريات.
لكن من المهم عدم افتراض أن العلاقة خالية من القيود أو أن القرار يمثل تفويضًا مفتوحًا. فالمساعدات الأمريكية تخضع أيضًا لنقاشات داخل الكونغرس، ولحسابات تتعلق بالإنفاق العام والأمن الإقليمي والعلاقات مع إسرائيل، فضلًا عن مواقف أعضاء في المؤسسة السياسية الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان.
ومن ثم، قد يكون الأثر طويل الأجل للقرار مرتبطًا بما سيحدث لاحقًا: هل سيظل استثناءً محدودًا، أم يصبح نمطًا متكررًا تتقدم فيه المصالح الأمنية على الشروط الحقوقية؟ هذا السؤال أهم من التعامل مع القرار باعتباره حكمًا نهائيًا على مستقبل العلاقات المصرية الأمريكية.
ثامنًا: ماذا ينبغي أن يكون موقف الكونغرس الأمريكي والمنظمات الحقوقية؟
إذا كان الهدف المعلن هو حماية الأمن القومي الأمريكي مع الحفاظ على الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان، فهناك وسائل عملية تسمح بمساءلة القرار دون افتراض أن الخيار الوحيد هو إنهاء التعاون العسكري.
أولًا، مطالبة وزارة الخارجية بتوضيح طبيعة الدور المصري الذي وصفته المذكرة بأنه "مفيد"، في الحدود التي تسمح بها اعتبارات الأمن القومي.
ثانيًا، نشر مبررات الإعفاء وتحديد نطاقه المالي والقانوني بصورة واضحة، مع التمييز بين الأموال التي شملها الاستثناء وأي تمويل آخر تظل الشروط المرتبطة به سارية.
ثالثًا، ربط أي قرارات مستقبلية، حيث يسمح القانون، بمؤشرات قابلة للتحقق، مثل الإفراج عن محتجزين تعسفيًا، وضمان الوصول إلى محامين، واحترام إجراءات المحاكمة العادلة، والتحقيق في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري.
رابعًا، مطالبة الإدارة الأمريكية بتوضيح كيف ستتابع ملف حقوق الإنسان بعد الإعفاء، حتى لا يتحول الاستثناء الأمني إلى بديل دائم عن المساءلة.
خامسًا، إتاحة مساحة أكبر لمشاركة المنظمات الحقوقية وأسر المعتقلين والمحامين في تقديم معلومات موثقة إلى الجهات التشريعية والتنفيذية الأمريكية.
هذه الخطوات لا تفترض نتيجة سياسية مسبقة، بل تجعل من الممكن تقييم ما إذا كانت السياسة الأمريكية تحقق أهدافها الأمنية دون التخلي عمليًا عن الاهتمام بحقوق الإنسان.
تاسعًا: هل يمكن أن يؤدي القرار إلى تغيير في العلاقة بين النظام المصري والولايات المتحدة؟
من السابق لأوانه الجزم بأن القرار سيؤدي إلى تحول شامل في العلاقة بين البلدين، لكنه يقدم مؤشرًا على استمرار وزن الاعتبارات الاستراتيجية في تحديد حجم التعاون العسكري وشروطه.
فالعلاقة لا تقوم على ملف واحد، وإنما على شبكة من المصالح تشمل الأمن الإقليمي، والعلاقات المصرية الإسرائيلية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والاستقرار في غزة، والتوازنات الإقليمية الأوسع.
وفي هذا السياق، قد تستمر واشنطن في انتقاد ممارسات حقوقية بعينها، بينما تحافظ على التعاون العسكري مع القاهرة، وقد تستمر في الوقت نفسه خلافات حول الحريات السياسية والاعتقال والمحاكمات.
أما بالنسبة إلى الحكومة المصرية، فإن القرار قد يعزز أهمية دورها الإقليمي في حسابات الولايات المتحدة. لكن مدى استفادتها السياسية من ذلك سيتوقف على تطورات المنطقة وعلى مواقف الكونغرس والإدارة الأمريكية في القرارات المقبلة.
ومن المهم كذلك ألا يُفهم الإعفاء باعتباره ضمانًا دائمًا لاستمرار المساعدات بالمستوى نفسه؛ فالقرار يتعلق بمبلغ محدد وسنة مالية محددة، ولا يحسم وحده مستقبل المساعدات الأمريكية في السنوات التالية.
الخلاصة: الأمن القومي الأمريكي وحقوق الإنسان في الميزان
إن إعفاء 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر من الشروط المرتبطة بحقوق الإنسان يفتح نقاشًا يتجاوز قيمة الأموال نفسها إلى طبيعة المعايير التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية.
فمن جهة، ترى واشنطن أن مصر شريك استراتيجي مهم، وأن التعاون معها يخدم مصالح تتعلق بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب وأمن الحدود. ومن جهة أخرى، تتضمن التقارير الأمريكية الرسمية توثيقًا لمخاوف جدية بشأن الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والقيود على الحريات السياسية والإعلامية.
ولا يكمن التناقض بالضرورة في وجود تعاون أمني بين البلدين، بل في السؤال عن مدى قدرة الشروط الحقوقية على التأثير الفعلي في هذا التعاون عندما تتعارض مع أولويات الأمن القومي.
أما اعتبار القرار مكافأة مباشرة للنظام المصري على دور محدد في الحرب على إيران، فيظل تفسيرًا سياسيًا محتملًا تدعمه صياغة المذكرة وتوقيت القرار، لكنه ليس اتفاقًا معلنًا تثبت الوثائق تفاصيله.
وفي النهاية، فإن المعيار الحقيقي لن يتوقف عند التصريحات الأمريكية أو التقارير الرسمية، بل عند ما إذا كانت حماية حقوق الإنسان ستظل عنصرًا مؤثرًا في القرارات العملية، أم ستتراجع كلما ارتفعت قيمة التعاون الأمني.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا أمام الرأي العام المصري والأمريكي هو: إذا كانت المصالح الاستراتيجية تبرر تجاوز الشروط الحقوقية اليوم، فما الضمانات التي تحول دون أن يصبح هذا الاستثناء قاعدة دائمة، بينما يظل المعتقلون السياسيون وأسرهم ينتظرون العدالة؟
والضحية دوما هو المواطن المصري، فلا هو استفاد من الأموال التي تصل إلى مصر من أمريكا ولا حتى الحماية القانونية من البطش به والحد من الحريات البسيطة التي يتمتع بها تجد صداها في أمريكا راعية حقوق الإنسان في العالم كما تدعي بهتانًا.
لا يوجد حل لدى المواطن المصري سوى الانعتاق من ظلم الطغمة الحاكمة بأي وسيلة حتى تتحقق له الحريات الأساسية التي يكفلها الدستور المصري الذي لم يعد له قيمة لدى هذه السلطة التي تتحكم في البشر والشجر على أرض مصر.

