كشف اليوم العالمي للمعلم، الذي وافق 5 أكتوبر، مفارقة ثقيلة في مصر بين الاحتفاء السنوي بالمدرس وبين واقع مهني تحاصره أزمة الأجور والعجز وضغط الحصص والتقييمات والاعتداءات، بينما بات الوصول إلى وظيفة داخل الفصل يمر كذلك عبر اختبارات بدنية وكشف هيئة داخل الأكاديمية العسكرية لا ترتبط مباشرة بمهارات التدريس.

 

وتأتي المناسبة بينما خصصت اليونسكو احتفال 2026 للدعوة إلى حماية مكانة المعلم وتحسين وضعه المهني والمادي وظروف عمله، في وقت يعيد فيه المعلمون المصريون طرح أسئلة أكثر قسوة تتعلق بما يحصلون عليه فعليًا من أجور، وكيف يتم اختيارهم، ومن يحميهم داخل المدرسة، ومن يمثلهم نقابيًا.

 

ولا تبدو الأزمة مجرد شكاوى متفرقة على مواقع التواصل، فوزير التربية والتعليم نفسه تحدث في سبتمبر عن عجز وصل في وقت سابق إلى 469 ألف معلم، مؤكدًا أن المدرسين تحملوا أعباء كبيرة خلال التعامل معه، بينما تقول الوزارة إنها عالجت نقص معلمي المواد الأساسية بحلول تضمنت الاستعانة بمعلمي الحصة وإعادة توزيع القوة التعليمية.

 

لكن معالجة الأرقام على الورق لا تمحو السؤال عن كلفة هذه الحلول على المعلم نفسه، فزيادة النصاب وتعدد المهام والاستعانة بالعمل بالحصة قد تحافظ على وجود مدرس أمام الفصل، لكنها لا تجيب وحدها عن مستوى الأجر أو الاستقرار الوظيفي أو حجم الضغط المتراكم على من يحمل العملية التعليمية يوميًا.

 

 

الأكاديمية العسكرية تدخل بوابة التعيين

 

فتح نظام اختيار المعلمين بابًا واسعًا للجدل بعدما أصبحت مراحل مرتبطة بالأكاديمية العسكرية جزءًا من طريق المتقدمين إلى الوظيفة، وهي مراحل وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنها تضمنت اختبارات للجري وتمارين البطن والضغط ومعايير للوزن، إلى جانب إجراءات أخرى أثرت على فرص آلاف المتقدمين.

 

ووفق تقرير للمبادرة المصرية، تعرض 11 ألفًا و951 معلمًا ومعلمة للاستبعاد خلال مراحل سابقة رغم اجتيازهم الاختبارات الأساسية التي عقدها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، كما شملت الحالات محل الطعون نساء حوامل أو حديثات الولادة ومتقدمين استُبعدوا لأسباب مرتبطة بالوزن أو اللياقة البدنية.

 

وهنا يصبح سؤال السياسي والحقوقي أسامة رشدي عن علاقة الجري والقفز والضغط بقدرة مدرس الرياضيات أو اللغة العربية على إدارة الفصل سؤالًا متعلقًا بمعيار الكفاءة ذاته، إذ يرى منتقدو النظام أن المعلم يحتاج تأهيلًا علميًا وتربويًا ونفسيًا، لا أن يتحول الاختبار البدني إلى بوابة قد تحسم مستقبله الوظيفي.

 

وتقدم حالة معلمة الرياضيات منى السيد نموذجًا واضحًا لهذا الجدل، فقد قالت إنها تمتلك 11 عامًا من الخبرة، ودخلت مراحل المسابقة بعد أسبوعين تقريبًا من الولادة، ثم خفضت وزنها بصورة كبيرة استعدادًا للاختبارات قبل أن تظهر نتيجتها في النهاية «غير مقبول» دون أن تعرف سبب الاستبعاد، بحسب روايتها المنشورة.

 

ولا تقف الأزمة عند حالة فردية، إذ وثقت المبادرة المصرية شكاوى من دفع المتقدمين إلى أنظمة غذائية قاسية والاستعداد لاختبارات بدنية لا تبدو الصلة بينها وبين جودة التدريس واضحة، وهو ما يجعل الاعتراض الأساسي متعلقًا بما إذا كانت هذه المعايير تختبر قدرة المعلم على التعليم أم تختبر قدرات من نوع مختلف تمامًا.

 

ويزداد الجدل مع الفارق بين الأعداد التي طُرحت خلال المناقشات الحكومية، إذ سبق الحديث عن الحاجة إلى تعيين 72 ألف معلم نتيجة تراكم احتياجات السنوات السابقة والمستهدفات الجديدة، قبل الإعلان في سبتمبر عن تعيين 43 ألف معلم في المرحلة الأخيرة، بما أعاد فتح النقاش حول أعداد المقبولين والمستبعدين وأسباب عدم استكمال المستهدفات.

 

ولا يعني هذا الفارق وحده أن 29 ألف متقدم استُبعدوا جميعًا بسبب الاختبارات البدنية، لكنه يكشف اتساع الفجوة بين احتياجات معلنة وأعداد تعيين فعلية، في وقت تستمر فيه المدارس في البحث عن حلول للعجز، وهو تناقض يجعل شفافية معايير القبول وأسباب الاستبعاد ضرورة وليست مسألة إدارية هامشية.

 

 

راتب محدود أمام فاتورة عمل تتسع

 

تكشف الأرقام المتداولة عن صافي رواتب المعلمين بعد خصومات زيادات يوليو صورة بعيدة عن الأرقام الاسمية المعلنة، إذ نشر حساب رامي مصطفى أرقامًا تضع صافي كبير المعلمين عند نحو 8600 جنيه، والمعلم الخبير عند 7900 جنيه، والمعلم الأول «أ» عند 7600 جنيه، والمعلم الأول عند 7300 جنيه والمعلم عند نحو 7100 جنيه.


 

 

وتصبح قيمة هذه الأرقام أكثر وضوحًا عند مقارنتها بحجم المسؤوليات اليومية، فالمعلم لا يدخل الفصل ليشرح درسًا فقط، بل يجد نفسه بين الحصص والتصحيح والتقييمات والإشراف والامتحانات وريادة الفصول والأعمال الإدارية، وأحيانًا سد فراغات ناتجة عن نقص زملائه، بينما يبقى المقابل المادي موضع اعتراض مستمر بين العاملين.

 

ووصلت هذه الشكاوى في أسيوط إلى تعبير «المعلم مطحون والمرتبات زيرو»، وهو وصف استخدمه حساب «معلمي أسيوط الأحرار» عند الحديث عن الخصومات وتأخر بعض المستحقات وتزايد الأعباء، مع الإشارة إلى أن بعض المدرسين يشترون مستلزمات تعليمية أو أدوات ضرورية للمدرسة من أموالهم الخاصة.

 

ولا يقتصر هذا العبء على المعلمين، فشهادات من داخل المدارس تتحدث عن إداريين وأخصائيين ومشرفين يشعرون بأنهم خارج منظومة الحوافز أو لا يحصلون على مقابل يتناسب مع العمل، بينما يتحمل العاملون تكاليف انتقالات مرتبطة بالتدريب والاجتماعات والمراقبة، فضلًا عن تصوير أوراق الامتحانات أو توفير بعض المستلزمات عند الحاجة.

 

 

وتظهر هنا المشكلة الأساسية في أي خطاب يحمل المعلم وحده مسؤولية ضعف التعليم، فالفصل المزدحم ونقص أعداد المدرسين والمناهج وآليات التقييم ونقص الإمكانيات وظروف العمل كلها عناصر تتجاوز سلطة المدرس الفردية، ومع ذلك يبقى هو الحلقة الأقرب إلى الطالب والأكثر تعرضًا للوم عند كل إخفاق.

 

 

نقابة بلا انتخابات ومعلم يواجه التهديد

 

وتزداد صورة المهنة تعقيدًا عند الانتقال إلى ملف التمثيل النقابي، فنقابة المهن التعليمية خضعت للحراسة القضائية منذ 2014، وصدرت خلال السنوات التالية أحكام وتحركات قانونية مرتبطة بإجراء الانتخابات، بينها حكم من القضاء الإداري في 30 نوفمبر 2025 بإلزام النقابة بفتح باب الترشح وإجراء الانتخابات.

 

ويرتبط بهذا الملف اسم محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين، الذي ظل من أبرز المطالبين بإجراء الانتخابات، قبل حبسه احتياطيًا في يوليو 2026 على ذمة القضية رقم 5773 لسنة 2026 حصر أمن دولة، بعد اتهامات تتعلق بنشر أخبار وبيانات كاذبة واستخدام حساب إلكتروني، وهي اتهامات ما زالت في إطار التحقيق ولم يصدر بشأنها حكم نهائي.

 

وتشير أحدث متابعة منشورة عُثر عليها، بتاريخ 1 أكتوبر، إلى أن زهران كان لا يزال محبوسًا احتياطيًا بعد تجديد حبسه، فيما ربط مقربون منه القضية بنشاطه المتعلق بالمطالبة بتنفيذ حكم انتخابات النقابة، بينما تؤكد الجهات القضائية أن التحقيق يتعلق بالاتهامات المنسوبة إليه في القضية.

 

وبعيدًا عن النقابة والتعيينات، يواجه المدرس خطرًا أكثر مباشرة داخل لجان الامتحانات، وهو ما ظهر في شهادة المعلم سامح شكري بمحافظة الشرقية، الذي قال إنه تعرض للتهديد خلال مراقبة امتحان الكيمياء بالثانوية العامة بعدما رفض السماح بالغش داخل اللجنة.

 

وبحسب شهادته، لم ينته التهديد بانتهاء الامتحان، إذ قال إن طلابًا لاحقوه هو وزملاءه أثناء التوجه إلى موقف السيارات، وأُلقي حجر باتجاهه كاد أن يصيبه، لتتحول مهمة مراقبة امتحان يفترض أنها عمل وظيفي عادي إلى مواجهة يخشى فيها المعلم على سلامته لأنه حاول تطبيق قواعد اللجنة.

 

وتضع هذه الواقعة سؤال الحماية في قلب أزمة المعلم، فالمطالبة بمنع الغش والانضباط داخل الفصل لا يمكن فصلها عن ضمان حماية المدرس حين يؤدي واجبه، وإلا أصبحت التعليمات الرسمية تطلب منه تحمل المسؤولية كاملة بينما يواجه وحده تبعات تنفيذها أمام الطلاب أو أولياء الأمور.

 

وبعد ستين عامًا من توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية بشأن مكانة المدرسين، يصبح الاحتفال بيوم المعلم قليل المعنى إذا بقيت أجور المدرسين محل شكوى، ومعايير التعيين موضع نزاع، والانتخابات النقابية مؤجلة، والحماية داخل المدارس واللجان موضع استغاثات متكررة، وهي ملفات تحتاج إجابات وسياسات واضحة أكثر من احتفالات سنوية.

 

فالمدرس الذي تطلب منه الدولة سد العجز، وتحمل كثافة الفصول، وتنفيذ منظومات تقييم متغيرة، ومواجهة الغش، ورفع مستوى الطلاب، لا يمكن التعامل معه باعتباره الطرف المسؤول وحده عن نتائج منظومة أكبر منه، ولا يمكن قياس جدارته المهنية فقط بقدرته على اجتياز اختبار بدني بينما تبقى ملفات الأجر والحماية والاستقرار المهني معلقة.

 

ويصبح السؤال بعد انتهاء اليوم العالمي للمعلم أكثر مباشرة من أي شعار احتفالي: هل المطلوب معلم يمتلك العلم والقدرة التربوية والأمان المهني والدخل الذي يحفظ كرامته، أم موظف يتحمل كل عجز المنظومة ثم يخضع لسلسلة جديدة من الاختبارات والضغوط قبل أن يحصل أصلًا على فرصة للوقوف داخل الفصل؟