تضع مناشدة متداولة لولية أمر تلميذ بالصف الثالث الابتدائي أزمة المقررات الجديدة أمام اختبار مبكر، بعدما وثقت صعوبة أجزاء من المنهج وطالبت بمراجعة ما يقدَّم للأطفال بما يناسب أعمارهم وقدراتهم.
وتعيد الشكوى فتح ملف تطوير المناهج من بوابة شديدة الحساسية، لأن الاعتراض لم يعد محصورًا في كثرة الواجبات، بل امتد إلى طبيعة المحتوى وطريقة الشرح وقدرة الأسرة على فهم ما يدرسه الطفل.
مناشدة لـ ولية أمر توثق صعوبة منهج الصف الثالث الابتدائي ومطالبات بـ مراجعة المقررات pic.twitter.com/yta0HI9Lf3
— شبكة رصد (@RassdNewsN) September 25, 2026
كتاب ياباني داخل واقع مختلف
وفي هذا السياق، يقول حسن محرم، مستشار مادة الأحياء الأسبق بوزارة التربية والتعليم، إن ما جرى هو أخذ الكتاب من اليابان دون نقل المنهج بمفهومه الأشمل وأدواته وبيئته.
كما يوضح محرم أن المنهج لا يساوي كتابًا مطبوعًا، لأنه يشمل المعلم والأنشطة ووسائل التعلم وأساليب التقويم والبيئة الصفية، وبالتالي فإن تغيير الكتاب وحده لا يصنع تجربة تعليمية متكاملة.
وفي العام الدراسي 2026/2027، بدأ تطبيق مخرجات تطوير الرياضيات بالتعاون مع جهة يابانية على الصفين الثاني والثالث الابتدائي، بعد تطبيقها سابقًا في الصف الأول، ضمن مسار يمتد تدريجيًا إلى مراحل أعلى.
كما جاءت الشكاوى بالتزامن مع الأسبوع الثاني للدراسة، وتحدث أولياء أمور عن صعوبة بعض الدروس والتقييمات، وسط تساؤلات عن ملاءمة طريقة تقديم المفاهيم لقدرات أطفال ما زالوا في سنوات التأسيس.
وفوق ذلك، تقول وزارة التربية والتعليم إن المنهجية الجديدة تستهدف الفهم والاستكشاف والتواصل وتعدد طرق التعامل مع المسألة، وهي أهداف تحتاج إلى معلم مدرب ووقت يسمح بالمناقشة والممارسة داخل الفصل.
غير أن نقل فلسفة تعليمية متكاملة إلى مدارس تختلف في الكثافة والتجهيز ومستويات التأسيس يضع التنفيذ أمام تحديات واسعة، بينما أقرت الوزارة نفسها بخطط مستمرة لمعالجة الكثافات والفترات المسائية وتحسين البيئة التعليمية.
ومن ثم، تصبح المشكلة أعمق من صعوبة تمرين أو درس، لأن طفل الصف الثالث يجد نفسه أمام أسلوب جديد في التفكير، بينما لا تتغير بالضرورة سرعة الحصة ولا ظروف الفصل ولا إمكانات كل مدرسة.
وفي المقابل، أظهرت الوزارة في تدريب سابق لمعلمي الصف الأول أن المنهجية اليابانية تعتمد تقسيم المحتوى إلى خطوات صغيرة وإعادة الشرح والمتابعة الأسبوعية والتواصل داخل الفصل، وهي شروط تحتاج تنفيذًا منضبطًا.
ولذلك، فإن السؤال لا يتعلق بما إذا كانت اليابان تملك تجربة تعليمية متقدمة، بل بما إذا كانت المدارس المصرية حصلت على الشروط التي تجعل نقل التجربة ممكنًا دون تحميل الطفل كلفة الانتقال.
وعلاوة على ذلك، أعلنت الوزارة أن مشروع تطوير الرياضيات بالتعاون مع مؤسسة يابانية يمتد خمس سنوات وصولًا إلى المرحلة الثانوية، ما يجعل التجربة الحالية مسارًا واسعًا تتجاوز آثاره كتاب الصف الثالث.
وبالتالي، فإن ظهور اعتراضات مبكرة في الصف الثالث يستدعي فحص طريقة التنفيذ قبل اتساع نطاق المشروع، لأن الخلل في سنوات التأسيس قد ينتقل مع الطفل ويضاعف صعوبة المراحل التالية.
التدرج الغائب يضاعف الارتباك
وفي قراءة تربوية، يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن المشكلة ليست بالضرورة في المنهج الياباني نفسه، وإنما في الفجوة بين فلسفته والبيئة التعليمية التي تطبقه.
كما يشدد حجازي على أن نقل المحتوى دون نقل طريقة التدريس والتقويم وتدريب المعلم قد يجعل الطالب يرى المنهج أكثر صعوبة، حتى عندما يكون الهدف الأصلي تعميق الفهم الرياضي.
ومن الناحية النفسية، يوضح حجازي أن طفل الصف الثالث يحتاج انتقالًا تدريجيًا من المحسوس إلى المجرد، بما يجعل ترتيب تقديم المفاهيم وطريقة صياغة المسائل عاملين حاسمين في الاستيعاب.
وفوق ذلك، يحذر حجازي من أن اعتماد النجاح على شرح منزلي أو مدرس خصوصي أو أدوات إضافية يمكن أن يوسع الفجوة بين الأطفال، لأن فرص الدعم خارج المدرسة ليست متساوية.
وبذلك، يتحول المنهج من أداة يفترض أن تدعم تكافؤ فرص التعلم إلى عامل قد يعمق الفروق، إذا أصبح الأكثر قدرة على المواصلة هو الطفل الذي تستطيع أسرته توفير دعم إضافي.
وفي الوقت نفسه، يطالب حجازي بتقييم التجربة من خلال بيانات فعلية تشمل التحصيل والفهم والقدرة على حل المشكلات ومستوى القلق الرياضي، بدل الاكتفاء بتصريحات النجاح أو الانطباعات الفردية المتفرقة.
ولهذا، فإن تجاهل المناشدات بحجة أن العام الدراسي ما زال في بدايته لا يقدم إجابة كافية، لأن بداية التطبيق هي الوقت الأنسب لرصد المشكلات قبل تحولها إلى فجوات تراكمية.
كما أن المراجعة المبكرة لا تعني إلغاء التطوير، بل اختبار مدى ملاءمة مستوى الأسئلة وتسلسل المفاهيم ووقت الحصة وقدرة المعلم على الشرح، ثم تعديل ما يثبت أنه يتجاوز ظروف التطبيق.
ومن ناحية أخرى، يتعامل طفل الصف الثالث مع مواد وواجبات وتقييمات متعددة، ولذلك فإن زيادة العبء في مادة واحدة لا تبقى محصورة داخل الرياضيات، وإنما تمتد إلى يومه الدراسي والمنزلي بالكامل.
وفوق ذلك، لا تستطيع الأسرة أن تتحول إلى مركز تدريب مواز للمدرسة كل مساء، خصوصًا عندما تتطلب طريقة الحل نفسها تفسيرًا للوالدين قبل أن يتمكنا من مساعدة طفل لم يتجاوز التاسعة.
الأسرة تدفع ثمن التطبيق
وفي جانب آخر، يقول الدكتور تامر شوقي، الأستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس، إن الطريقة اليابانية تختلف عن الأسلوب الذي اعتاده الطلاب والأسر، وهو ما قد يسبب ارتباكًا في البداية.
كما يرى شوقي أن تطبيق أي طريقة مختلفة يكون أكثر اتساقًا حين يتعرف إليها الطفل منذ بداية المرحلة، حتى لا يصل إلى صف متقدم نسبيًا ثم يواجه نمطًا جديدًا دفعة واحدة.
ومع أن شوقي يعتبر الحكم النهائي على المنهج مبكرًا، فإنه يشير إلى أن التجربة جديدة كذلك على المعلمين، ما يضع التدريب العملي في قلب المشكلة بدل اختزالها في قدرة الطفل وحده.
ومن هنا، تبدو مناشدة ولية الأمر انعكاسًا لمعضلة أوسع، لأن الأسرة تتحول تدريجيًا من متابع للتعلم إلى طرف مطالب بفهم فلسفة تعليمية جديدة وشرحها ومراجعة تقييماتها بصورة شبه يومية.
وفوق ذلك، فإن حديث بعض الأسر عن الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم تدريبات الصف الثالث يطرح سؤالًا جديًا عن مستوى الوضوح المفترض في محتوى موجه أساسًا إلى أطفال صغار.
وفي المقابل، لا يمكن بناء حكم علمي على منشور واحد أو شكوى منفردة، لكن تكرار الاعتراضات خلال الأيام الأولى يجعل جمع البيانات من المدارس ضرورة عملية، لا خطوة مؤجلة لنهاية العام.
ولذلك، تحتاج متابعة التجربة إلى بيانات واضحة تشمل نسب استيعاب التلاميذ وآراء المعلمين ومتوسط الوقت اللازم لإنجاز التدريبات والفروق بين المدارس والبيئات التعليمية المختلفة ومستويات الأطفال قبل تطبيق المنهج.
كما تحتاج المراجعة إلى الاستماع للطفل نفسه، لأن نجاح المنهج لا يقاس بعدد الصفحات المنتهية أو الاختبارات المنفذة، بل بقدرته على الفهم دون خوف مستمر أو اعتماد مفرط على المساعدة الخارجية.
وفوق ذلك، فإن المدرسة التي تحتاج إلى الأسرة أو المدرس الخصوصي أو التطبيقات الرقمية لإكمال شرح مقرر أساسي تواجه سؤالًا جوهريًا حول الوظيفة التي بقيت للفصل والمعلم خلال سنوات التأسيس.
ومن ناحية أخرى، لا يفترض أن تتحول صعوبة التكيف مع المنهج إلى اتهام للأطفال بضعف المستوى، لأن أي تغيير في طريقة التفكير يحتاج إلى تدرج وتدريب، وهما مسؤولية المنظومة قبل التلميذ.
كما أن تحميل الأسرة مهمة سد فجوات التطبيق يضع عبئًا إضافيًا على البيوت الأقل قدرة ماديًا وتعليميًا، ويجعل فرص الطفل مرتبطة بموارد أسرته بدل أن تضمن المدرسة حدًا متقاربًا من التعلم.
وأخيرًا، فإن تطوير الرياضيات لا يصبح إنجازًا بمجرد استيراد طريقة تدريس جديدة، وإنما حين يستطيع طفل في الثامنة أو التاسعة فهمها داخل فصله بوسائل متاحة للجميع ومعلم قادر على تنفيذها.
وبالتالي، فإن مناشدة ولية الأمر تضع المسؤولين أمام سؤال مباشر: هل تُراجع التجربة وفق ما يظهر داخل الفصول، أم يُطلب من الأطفال والأسر التكيف مع منظومة لم تكتمل شروطها بعد؟

