تفضح أزمة سد النهضة فجوة واسعة بين تصريحات وزير الري المصري هاني سويلم وبين قدرة الحكومة المصرية على حماية مصالح البلاد، بعدما تحول السد إلى أمر واقع وامتلأت خزاناته وسط غياب موقف حاسم.
وتحاول القاهرة الآن تقديم التهديدات اللفظية باعتبارها دفاعاً عن الحقوق، بينما يرى منتقدون أن حكومة الكلام لم تمنع البناء أو الملء، ولم تقدم حساباً واضحاً عن سبب التأخر، ثم عادت للموافقة على سدود جديدة.
سويلم يهدد بعد فوات الأوان
وبحسب خالد محمود، الكاتب الصحفي المتابع لملف المياه والناقد لسياسات الحكومة المصرية، فإن تصريحات سويلم جاءت متأخرة، لأنها رفعت سقف المواجهة بعد اكتمال السد بدلاً من منع فرض الأمر الواقع.
كما أن تهديد الوزير بأن مصر ليست دولة بلا رد لا يجيب عن سؤال سابق وأهم: أين كان الرد عندما بُني السد وبدأ ملؤه واحتفلت أديس أبابا بإنجاز فرضته على الجميع؟
ويبدو أن الخلل لا يقتصر على ضعف الخطاب، بل يمتد إلى غياب سياسة استباقية، تشرح للمصريين أدوات الضغط، ومسارات التفاوض، ونتائج التحرك، بدلاً من الاكتفاء ببيانات تحمل نبرة عالية.
ومن ثم، فإن تحميل إثيوبيا وحدها مسؤولية الأزمة يتيح للحكومة المصرية الإفلات من المحاسبة، لأن حماية الحقوق لا تبدأ بالتهديد بعد اكتمال المشروع، بل بمنع الانفراد منذ المراحل الأولى.
وفي هذا السياق، تتحول أسئلة الكهرباء إلى مرآة تعكس عجز الخطاب المصري عن تقديم بديل، فبدلاً من فرض قواعد ملزمة، تُترك الساحة لتبادل الاتهامات وانتظار رد إثيوبي قد لا يأتي.
أسئلة سويلم وصمت أثيوبيا!!
— khaled mahmoued (@khaledmahmoued1) September 22, 2026
حتى اللحظة، لاتزال أسئلة وزير الري المصري هاني سويلم التي طرحها على الجانب الإثيوبي بلا إجابة واضحة.
ولا يبدو أن الحكومة الإثيوبية تجرأت حتى الآن على تقديم إجابة مباشرة حول أين ذهبت الكهرباء التي ولدها سد النهضة؟
هل وصلت إلى ملايين الإثيوبيين الذين… pic.twitter.com/yQlgPgxZ5L
وإذا كانت الحكومة تملك معلومات عن حجم التوليد والتوزيع، فإن نشرها يصبح واجباً سياسياً، أما إخفاء التفاصيل خلف عبارات السيادة والحقوق، فيحوّل الملف إلى أزمة ثقة داخلية قبل أن يكون خلافاً خارجياً.
كذلك، فإن الحديث عن تعدين العملات الرقمية لا ينبغي أن يُستخدم للهروب من مسؤولية الحكومة المصرية، بل لتوسيع النقاش حول فشلها في جمع المعلومات وتوظيفها للدفاع عن مصالح المواطنين.
ومع ذلك، فإن صمت أديس أبابا لا يمنح القاهرة براءة، بل يزيد حاجتها إلى تفسير تقصيرها، وتوضيح سبب تأخر الرد، ومساءلة المسؤولين عن إدارة ملف بهذه الخطورة.
وعلى هذا الأساس، يصبح عنوان المرحلة ليس فقط أين ذهبت كهرباء النهضة، بل أين ذهبت وعود الحكومة المصرية بالدفاع، ولماذا لم تظهر نتائج ملموسة قبل تحول السد إلى واقع دائم.
الحكومة تكرر أخطاء النهضة
وفي قراءة سليم عزوز، الكاتب الصحفي المعارض والمنتقد لسياسات الحكومة، فإن الموافقة على سد في جنوب السودان تضع وزير الري أمام تناقض فادح: رفض فرض الأمر الواقع خارجياً وقبوله عملياً في محيط مصر.
كما أن اعتراض عزوز لا يستهدف مشروعاً بعينه فقط، بل يطعن في منهج اتخاذ القرار، حين تُقدَّم التطمينات العامة على حساب الضمانات، ثم يُطلب من المصريين الثقة في وعود لم تحمِ النيل.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة لا تستطيع استخدام ملف سد النهضة لإثارة الغضب الشعبي فقط، ثم تجاهل الأسئلة الداخلية المتعلقة بالمسؤولية، والقرارات السابقة، وحدود التنازل المقبول.
وفي الوقت نفسه، تظل عبارة مصر ليست دولة بلا رد ناقصة، ما لم تقترن بإجراءات معلنة، لأن الرد الحقيقي يقاس بقدرته على حماية الحقوق، لا بارتفاع نبرة التصريحات أمام الكاميرات.
" وزير الري طالع يهدد ويقول مصر مش دولة بلا رد طب الرد ده إمتى بالظبط بعد ما بنوا السد وملوه واحتفلوا وبيهددوا يدفعونا تمن المية إثيوبيا بتفرض أمر واقع " #قناة_الشرق pic.twitter.com/7Mi3dw1mLf
— قناة الشرق (@ElsharqTV) September 21, 2026
لكن غياب هذه الإجراءات يجعل الوزير يبدو كمن يعلن معركة بعد انتهائها، بينما تواصل إثيوبيا تثبيت مكاسبها، وتواصل الحكومة المصرية إدارة الأزمة عبر ردود متأخرة لا تغيّر ميزان القوة.
ويُظهر هذا التناقض أن الحكومة تتعامل مع سد النهضة كملف إعلامي عند اشتداد الغضب، لا كقضية أمن مائي تحتاج متابعة يومية، ومعلومات دقيقة، وتحركاً مستمراً قبل الأزمات.
وبالتالي، فإن انتقاد سويلم لا ينفصل عن انتقاد الحكومة التي اختارته واجهة للملف، لأن الوزير لا يعمل منفرداً، وتصريحاته تعكس سياسة رسمية لم تقدم حتى الآن إجابة مقنعة.
ومع ذلك، فإن محاسبة الوزير لا تعني إعفاء إثيوبيا، بل تعني رفض تحويل الخصم الخارجي إلى ستار يحجب القصور الداخلي، ويمنع طرح الأسئلة عن التخطيط والتفاوض والتوقيت.
وعليه، فإن المصلحة المصرية تتطلب خطاباً صريحاً يعترف بالأخطاء، ويحدد المسؤوليات، ويشرح للمواطنين ما جرى، بدلاً من تقديم التهديدات باعتبارها إنجازاً سياسياً أو بديلاً عن الفعل الحقيقي.
سدود جديدة بلا حساب
وبحسب خالد محمود، الكاتب الصحفي المعني بملف المياه والمعارض لسياسات الحكومة الرسمية، فإن الموافقة على سد جديد في جنوب السودان تعيد إنتاج المشكلة نفسها، لأنها تسبق إعلان الضمانات وتقييم آثارها.
[9/22/2026 2:11 PM] Shams: كما يطرح سليم عزوز، الكاتب الصحفي المعارض والمنتقد للحكومة، سؤالاً لا يمكن تجاوزه: لماذا تُقبل مشروعات مائية جديدة بعد تجربة النهضة، إذا كانت القاهرة لم تستخلص درس حماية القرار قبل اكتمال البناء؟
وفي المقابل، لا تكفي الإشارة إلى فوائد التنمية أو احتياجات جنوب السودان، لأن التعاون الحقيقي لا يلغي حق مصر في معرفة المخاطر، ولا يعفي الحكومة من عرض الضمانات أمام الرأي العام.
ومن ثم، فإن المفارقة بين مهاجمة فرض الأمر الواقع في إثيوبيا وقبول خطوات مائية غير مكتملة الضمانات تظهر ارتباكاً في السياسة المصرية، وتمنح خصوم الحكومة مادة جاهزة للمساءلة.
كذلك، فإن الوزير مطالب بتفسير ما إذا كانت الموافقة على السد الجديد جزءاً من خطة إقليمية لحماية المصالح، أم قراراً منفصلاً يكرر منطق الثقة السياسية من دون أدوات تنفيذ.
الكاتب الصحفي سليم عزوز يرد على تصريحات وزير الري هاني سويلم بشأن الموافقة على بناء سد في جنوب السودان: «لماذا توافقون يا دكتور؟ ألم توافقوا على بناء سد النهضة؟ فماذا كانت النتيجة؟ لماذا توافقون يا دكتور؟ ليه يا دكتور؟ يا أخي حرام عليكم». pic.twitter.com/VZofZ3tYei
— قنــــاة مكملين - الرسمية (@MekameleenMk) September 21, 2026
وفي ظل غياب التفاصيل، يصبح المواطن أمام مشهد واحد: حكومة تتحدث عن الدفاع، ووزير يرفع سقف التحذير، وملفات مائية تمضي من دون أن يعرف الناس من اتخذ القرار أو كيف حُسبت نتائجه.
لكن انتقاد الحكومة لا يعني تبني خطاب إثيوبي، بل يعني أن الدفاع عن مصر يبدأ من محاسبة من يملك القرار، ومطالبة الوزارة بخطة قابلة للقياس، لا بمجرد تصريحات حادة.
وعلى المستوى السياسي، فإن استمرار حكومة الكلام في إدارة الملف بهذه الطريقة يهدد الثقة العامة، لأن المصريين لا يحتاجون إلى معارك لفظية جديدة، بل إلى نتائج تحمي المياه وتمنع تكرار الإخفاق.
وفي النهاية، فإن صمت إثيوبيا عن مصير الكهرباء لا يلغي مسؤولية الحكومة المصرية عن فشل الرد، ولا يعفي وزير الري من تقديم إجابات عملية، فالمصالح لا تُحمى بالكلام بعد ضياع أدوات الفعل.

