يكشف تدهور التكية السليمانية في شارع السروجية كيف تركت وزارة السياحة والآثار مبنى عثمانيا نادرا فريسة للرطوبة والإشغالات، حتى انكمشت رسالته الخيرية خلف جدران متآكلة ومحال تحجب ملامحه أمام أعين المسؤولين.

 

ويفضح المشهد تناقضا صارخا بين الخطاب الرسمي عن إحياء القاهرة التاريخية وواقع أثر مسجل برقم 225، تحاصره الفوضى وتغيب عنه الصيانة المنتظمة واللوحات التعريفية ومسارات الزيارة الآمنة حتى اليوم بلا مساءلة.

 

 

ذاكرة خيرية محاصرة

 

تعود التكية إلى سليمان باشا، واكتمل بناؤها وفق النص التأسيسي عام 1543، بعدما بدأت مدرسة ثم تحولت إلى مقر لأتباع الطريقة القادرية وإيواء المنقطعين للعبادة وعابري السبيل في قلب القاهرة.

 

كما احتفظ المبنى بوظيفة اجتماعية تتجاوز العبادة، إذ وفرت حجراته المبيت والطعام للفقراء والمتصوفة وطلبة العلم، فكان مؤسسة تكافل يومية قبل أن تدفعه الإدارة الحديثة إلى الهامش لسنوات طويلة متعاقبة.

 

وتتكون التكية من مبنى مستطيل يتوسطه صحن مكشوف، تحيط به حجرات الإقامة، بينما يحتل إيوان القبلة جانبا بارزا بمحرابه المجوف، وتلحق بالضلع الغربي مرافق خدمية متصلة بوظيفتها الأصلية داخل النسيج العمراني.

 

علاوة على ذلك، يحمل الطابق العلوي قيمة معمارية نادرة، لأن حجراته غطيت بقباب ضحلة تعد من الشواهد المبكرة على انتقال السمات العثمانية إلى عمارة القاهرة المحلية بعد انتهاء الحكم المملوكي.

 

غير أن هذه الندرة لم تمنح الأثر حماية تليق به، فواجهاته فقدت حضورها وسط المحال واللافتات والتكدس، بينما صار الوصول إليه تجربة مرتبكة لا تكشف للزائر قيمة المكان ولا تاريخه.

 

ويقول كبير الآثاريين مجدي شاكر إن الآثار الإسلامية تمثل كنزا استراتيجيا، لكنها تحمل تركة ثقيلة من الإهمال المتراكم، وتحتاج تمويلا منتظما وخطة ترميم جادة تتجاوز الاستجابة المؤقتة بعد ظهور الخطر.

 

ويشير شاكر إلى أن وجود المباني الأثرية داخل الكتل السكنية والحرفية يعرضها للإهدار، وهو تشخيص ينطبق مباشرة على التكية المحاصرة بأنشطة يومية لا تضبطها حرمات واضحة أو رقابة فعالة ومستمرة.

 

 

التلف يسبق الإنقاذ

 

وبالتالي، فإن إزالة المخلفات وحدها لا تعالج الأزمة، لأن حماية المبنى تتطلب فحص الأساسات والجدران والأسقف، ورصد الشروخ والأملاح، ومعالجة مصادر الرطوبة قبل أن تتحول الأضرار السطحية إلى انهيارات واسعة.

 

وفي المقابل، تظل وزارة السياحة والآثار مسؤولة عن تفسير غياب برنامج معلن للتدخل، يتضمن جدولا زمنيا وميزانية ومراحل تنفيذ، بدلا من ترك الأثر رهينة صور الشكاوى ومناشدات الأهالي أمام المواطنين.

 

بدورها، تهدد الرطوبة الأحجار والمونة والزخارف عبر دورات متتابعة من التشبع والجفاف، كما تحمل المياه الأرضية أملاحا تتبلور داخل المسام، فتدفع السطح إلى التقشر وتضعف تماسك العناصر المعمارية الأصلية تدريجيا.

 

ومن ثم، يصبح تأخر الصيانة الوقائية قرارا مكلفا لا مجرد تقصير إداري، لأن كل موسم يمر بلا معالجة يرفع كلفة الإنقاذ، ويقلل كمية النسيج التاريخي الممكن الاحتفاظ بها دون استبدال.

 

ويرى أستاذ الآثار الإسلامية جمال عبد الرحيم أن العشوائيات عدو رئيس للآثار الإسلامية، إذ تستهلك حرمها البصري والوظيفي والاجتماعي، وتضاعف الاحتكاك اليومي بالجدران والمداخل من دون وعي بقيمة المكان التاريخية.

 

ويؤكد عبد الرحيم أهمية التنسيق بين الجهات المشرفة، غير أن واقع التكية يكشف أن تعدد الاختصاصات يتحول بسهولة إلى ذريعة للبطء، ما لم تحدد المسؤوليات ومواعيد المتابعة والمحاسبة بوضوح مسبقا.

 

لذلك، لا يكفي نقل بعض الإشغالات بصورة موسمية، بل يلزم تثبيت نطاق حماية حول المبنى، وتنظيم حركة المحال، ومنع التخزين والتحميل الملاصق للجدران، مع توفير بدائل عادلة ودائمة لأصحاب الأنشطة.

 

 

خطة إنقاذ غائبة

 

وفوق ذلك، يحرم ضعف الترويج التكية من جمهور قادر على دعم بقائها، فلا مسار سياحيا يربطها بقلعة صلاح الدين وآثار الخليفة، ولا مادة تعريفية تشرح وظيفتها الاجتماعية وفرادتها المعمارية حتى اليوم.

 

وبناء على ذلك، يمكن تحويل التكية إلى محطة ثقافية حية من دون انتزاعها من محيطها، عبر جولات منتظمة ومعارض صغيرة وورش للحرف التقليدية، مع تخصيص عائد ثابت للصيانة والحراسة الوقائية.

 

ويحذر الباحث في الآثار الإسلامية معاذ لافي من أن نسبة كبيرة من آثار القاهرة أغلقت وأهملت، وأن المياه الجوفية تمثل خطرا يتجاوز قدرة المبادرات التطوعية ويتطلب تدخلا مباشرا من الدولة.

 

ويضيف لافي أن معالجة عقود من الإهمال تحتاج دراسة للأثر والمياه الجوفية وتنفيذا مهنيا واسع النطاق، وهو ما يجعل الاكتفاء بالتنظيف الشعبي مفيدا للتنبيه، لكنه عاجز عن وقف التلف البنيوي.

 

وفي الأثناء، تكشف تجربة المبادرات الأهلية استعداد السكان للمشاركة حين تقدم لهم معلومات واضحة، ما يهدم الحجة التي تلقي مسؤولية التشويه عليهم وحدهم وتتجاهل غياب الإدارة والتوعية والخدمات المحلية فعليا.

 

كذلك، يقتضي الإنقاذ نشر تقرير حالة هندسية وأثرية يحدد مواضع الشروخ والرطوبة والتآكل، ثم توثيق كل عنصر قبل التدخل، وإعلان نتائج الأعمال حتى لا يتحول الترميم نفسه إلى باب للتشويه.

 

وبالتوازي، يجب تركيب لوحات تعريفية دقيقة، وتدريب حراس ومرشدين، وتحسين الإنارة والنظافة، وربط الزيارة بمسار الدرب الأحمر والخليفة، بدلا من إبقاء التكية اليوم نقطة معزولة لا يعرفها معظم المارة أيضا.

 

لهذا، تبدو التكية السليمانية اختبارا مكشوفا لأولويات الدولة، فالمبنى لا يحتاج احتفالا عابرا ولا طلاء يخفي أمراضه، بل إدارة تحفظ مادته الأصلية وتستعيد وظيفته العامة وتحمي محيطه من التعديات المستمرة.

 

وأخيرا، سيبقى ترك هذا الأثر خلف المحال والرطوبة إدانة لوزارة السياحة والآثار، لأن خسارة مبنى عمره قرابة خمسة قرون ليست حادثا طبيعيا، بل نتيجة مباشرة لإهمال معروف طال أمده رسميا.