أحال محافظ أسوان عمرو لاشين سائقًا بمشروع النظافة في مركز كوم أمبو إلى النيابة الإدارية بعد رصد ابنته الطفلة (10 سنوات) وهي تقود شاحنة حكومية لنقل المخلفات بمنطقة البيارة التابعة لحي غرب المدينة بما عرض الطفلة والمواطنين وممتلكات الدولة لخطر مباشر.

 

تكشف الواقعة تقاعس الأجهزة المحلية عن مراقبة المركبات الثقيلة المملوكة للدولة قبل تحركها وأثناء تشغيلها إذ لم تكتشف المحافظة المخالفة عبر منظومة رقابية منتظمة وإنما تحركت بعد تداول الصورة بما يضع مسؤولية الحادث المحتمل على إدارة المرفق وليس على السائق وحده.

 

 

مركبة حكومية بلا رقابة

 

ووفقًا لبيان محافظة أسوان اتخذ لاشين قرار الإحالة يوم الثلاثاء 1 سبتمبر فور وصول الواقعة إليه ووجه بفتح تحقيق عاجل مع السائق والمسؤولين عن تشغيل سيارة النظافة لمعرفة كيفية وصول طفلة إلى مقعد القيادة وتحرك المركبة داخل منطقة مأهولة بالسكان.

 

وبحسب التفاصيل المنشورة وقعت المخالفة في منطقة البيارة التابعة لحي غرب مركز ومدينة كوم أمبو حيث سمح السائق لابنته بقيادة السيارة المخصصة لجمع القمامة ونقل المخلفات رغم افتقارها الكامل إلى السن القانونية والخبرة اللازمة للتعامل مع مركبة ثقيلة تابعة للوحدة المحلية.

 

وفي المقابل لم يوضح بيان المحافظة المدة التي قادت خلالها الطفلة الشاحنة ولا المسافة التي قطعتها كما لم يكشف وجود مشرفين وقت الواقعة أو يحدد المسؤول الإداري المكلف بتسليم السيارة ومتابعة خط سيرها وهو ما أبقى أسئلة الرقابة اليومية بلا إجابات معلنة.

 

ومن جانبه وصف المحافظ السماح لطفلة بقيادة مركبة ثقيلة بأنه مخالفة جسيمة تهدد حياتها وحياة المواطنين مؤكدًا أن تشغيل الأطفال على مركبات ومعدات الوحدات المحلية يمثل استهانة بالأرواح والممتلكات العامة ومخالفة لقوانين العمل واللوائح المنظمة لاستخدام السيارات الحكومية.

 

فيما تضع تصريحات المحامي بالنقض أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال المسؤولية على البالغين والجهات الملزمة بالحماية إذ أكد في حديث سابق عن عمالة الأطفال أن القانون المصري يجرم استغلالهم في الأعمال الخطرة وأن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق النصوص وغياب آليات التدخل المبكر.

 

كذلك تخدم رؤية مصيلحي واقعة كوم أمبو باعتبارها اختبارًا لتنفيذ القانون لأن الطفلة لم تصل إلى شاحنة خاصة داخل نطاق أسري مغلق بل جلست خلف مقود سيارة مملوكة للدولة وتشرف عليها جهة محلية يفترض أن تحتفظ بسجلات تشغيل ومفاتيح وتسلسل إداري واضح للمسؤولية.

 

 

حماية مؤجلة للأطفال

 

إلى جانب ذلك تحظر التشريعات المصرية تشغيل الطفل في أعمال تعرض صحته أو سلامته أو أخلاقه للخطر بينما تمثل قيادة شاحنة قمامة ثقيلة مستوى مضاعفًا من المخاطرة بسبب وزن المركبة وصعوبة التحكم فيها واحتمال إصابة الطفلة أو دهس المارة أو إتلاف الممتلكات العامة.

 

وبالتوازي سبق أن حذر هاني هلال أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل من ارتفاع الإصابات والوفيات بين الأطفال الذين يعملون في ظروف غير آمنة كما انتقد تراجع ملف الطفولة على قائمة أولويات الحكومة وهو تحذير تؤكده واقعة حدثت داخل مرفق عام وتحت سلطة محلية مباشرة.

 

وعلى هذا الأساس لا تقتصر مسؤولية محافظة أسوان على إحالة الأب إلى التحقيق لأن هلال يربط حماية الطفل بعمل مؤسسي يمنع الخطر قبل وقوعه ولذلك يتطلب التحقيق تحديد المسؤولين عن الإشراف والتشغيل بدل حصر المساءلة في الموظف الأدنى بعد انتشار الصورة على مواقع التواصل.

 

وفوق ذلك وجه المحافظ باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع تكرار الواقعة وضمان الالتزام بالضوابط المنظمة للعمل في المرافق العامة غير أن البيان لم يعلن مراجعة شاملة لسجلات حركة سيارات النظافة أو إجراءات تسليم المفاتيح أو خطط تدريب المشرفين والسائقين على قواعد حماية الأطفال.

 

وبصورة أوضح يكشف غياب هذه التفاصيل أن القرار العاجل جاء لمعالجة فضيحة مكشوفة أكثر مما عرض سياسة رقابية قابلة للقياس إذ لم تحدد المحافظة موعدًا لإعلان نتائج التحقيق ولم تبين ما إذا كانت الطفلة ستتلقى دعمًا نفسيًا أو حماية من إعادة تعريضها للخطر.

 

 

حوادث تتكرر بلا ردع

 

وسبق واقعة أسوان تداول مقطع لطفل يقود سيارة نصف نقل في مدينة الغردقة قبل عامين ما أثار غضبًا واسعًا قبل أن تعلن وزارة الداخلية ضبط قائد السيارة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه لكن هذه الاستجابة اللاحقة لم تمنع ظهور واقعة أخطر داخل مشروع نظافة حكومي.

 

ثم شهدت منطقة حدائق الأهرام في يونيو الماضي حادثًا مأساويًا بعدما دهست سيارة تقودها فتاة قاصر تبلغ 15 عامًا الشابة هدير في القضية المعروفة إعلاميًا باسم بائعة الشاي وأوقفت النيابة 3 متهمين بينهم مراهقان ووالد أحدهما على خلفية الحادث.

 

وخلال التحقيقات تراجع أحد المتهمين عن اعترافه الأول بقيادة السيارة وقت الحادث وأكد لاحقًا أن الفتاة القاصر كانت خلف المقود بينما قال دفاعه إنها كانت تتعلم القيادة أثناء توجههما إلى أحد الأندية الرياضية وهو ما نقل المسؤولية مجددًا إلى البالغين الذين أتاحوا المركبة.

 

وفي هذا السياق لفتت الباحثة منى فتح الباب في دراساتها عن عمالة الأطفال إلى أن تعريض الطفل للعمل المبكر يترك آثارًا نفسية مرتبطة بالتمييز والظلم وفقدان الأمان وهي رؤية توسع نطاق الضرر من احتمال الإصابة الجسدية إلى النتائج النفسية والاجتماعية التي تتحملها الطفلة.

 

وبناء على ذلك تؤدي رؤية فتح الباب وظيفة ضرورية في قراءة الواقعة لأن نشر صورة طفلة تقود شاحنة لا ينبغي أن يحولها إلى مادة للفرجة أو الإدانة بينما يتحمل الأب والمسؤولون الإداريون واجب حمايتها ومنع وصولها أصلًا إلى موقع يهدد حياتها وسلامتها.

 

ومع استمرار الحوادث تظل المعالجة الحكومية محكومة بنمط متكرر يبدأ بتداول صورة أو مقطع ثم يصدر قرار بالضبط أو الإحالة دون إعلان مراجعات وقائية دائمة ولذلك تنتقل قيادة القصر من سيارات خاصة في الغردقة وحدائق الأهرام إلى مركبة حكومية ثقيلة في كوم أمبو.

 

وأخيرًا تفرض واقعة طفلة شاحنة القمامة في أسوان تحقيقًا يتجاوز معاقبة سائق واحد إلى كشف سلسلة الإشراف كاملة وإعلان نتائجها للرأي العام لأن الدولة التي لا تعرف من يقود مركباتها الثقيلة إلا بعد انتشار الصور تترك حياة الأطفال والمواطنين رهينة المصادفة بدل القانون.